{يا نوح قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا} [هود: 32] ومعلوم أن تلك المجادلة ما كانت فِي تفاصيل الأحكام الشرعية بل كانت فِي التوحيد والنبوة ، فالمجادلة فِي نصرة الحق فِي هذا العلم هي حرفة الأنبياء ، وأما إبراهيم عليه السلام فالاستقصاء فِي شرح أحواله فِي هذا الباب يطول وله مقامات: أحدها: مع نفسه وهو قوله: {فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ الليل رَأَى كَوْكَباً قَالَ هذا رَبّى فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الأفلين} [الأنعام: 76] وهذا هو طريقة المتكلمين فِي الاستدلال بتغيرها على حدوثها ، ثم إن الله تعالى مدحه على ذلك فقال: {وَتِلْكَ حُجَّتُنَا ءاتيناها إبراهيم على قَوْمِه} [الأنعام: 83] وثانيها: حاله مع أبيه وهو قوله: {ياأبت لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يَبْصِرُ وَلاَ يُغْنِى عَنكَ شَيْئاً} [مريم: 42] وثالثها: حاله مع قومه تارة بالقول وأخرى بالفعل ، أما بالقول فقوله: {مَا هذه التماثيل التي أَنتُمْ لَهَا عاكفون} [الأنبياء: 52] وأما بالفعل فقوله: {فَجَعَلَهُمْ جُذَاذاً إِلاَّ كَبِيراً لَّهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُون} [الأنبياء: 58] .