والظلم على هذا الوجه محمول على ظاهره وهو حرمان الحق والاعتداء.
ويجوز أن يكون الضمير عائداً إلى عموم الأنفس في قوله {ولا نكلف نفساً إلا وسعها} فيكون قوله {وهم لا يظلمون} من بقية التذييل ، والظلم على هذا الوجه مستعمل في النقص من الحق كقوله تعالى: {كلتا الجنتين آتتْ أكلها ولم تظلم منه شيئاً} [الكهف: 33] فيكون وعيداً لفريق ووعداً لفريق.
وهذا أليق الوجهين بالإعجاز.
بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ (63)
إضراب انتقال إلى ما هو أغرب مما سبق وهو وصف غمرة أخرى انغمس فيها المشركون فهم في غمرة غمرت قلوبهم وأبعدتها عن أن تتخلق بخلق الذين هم من خشية ربهم مشفقون كيف وأعمالهم على الضد من أعمال المؤمنين تناسب كفرهم ، فكل يعمل على شاكلته.
فحرف (من) في قوله: {من هذا} يوهم البدلية ، أي في غمرة تباعدهم عن هذا.
والإشارة بـ {هذا} إلى ما ذكر آنفاً من صفات المؤمنين في قوله: {إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون إلى قوله: وهم لها سابقون} [المؤمنون: 57 61] .
و {دون} تدل على المخالفة لأحوال المؤمنين ، أي ليسوا أهلاً للتحلي بمثل تلك المكارم.
وقوله: {ولهم أعمال من دون ذلك هم لها عاملون} يبين (هذا) ، أي وأعمالهم التي يعملونها غير ذلك.
ويذكرني هذا قول محمد بن بشير الخارجي في مدح عروة بن زيد الخيل:
يا أيها المتمني أن يكون فتى
مثل ابن زيد لقد أخلى لك السبلا...
أعدِدْ فضائل أخلاق عُدِدْنَ له
هل سَبّ من أحد أو سُب أو بخلا...
إن تنفق المال أو تكلَف مَسَاعيَه
يشفقْ عليك وتفعل دون ما فعلا...
ولام {لهم أعمال} للاختصاص.
وتقديم المجرور بها على المبدأ لقصر المسند إليه على المسند ، أي لهم أعمال لا يعملون غيرها من أعمال الإيمان والخيرات.