أغرب الإمام أبو مسلم الأصفهاني فيما نقله عنه الرازي ، فذهب إلى أن قوله تعالى: {بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا} إلى آخر الآية ، من تتمة صفات المؤمنين المشفقين . كأنه سبحانه قال بعد وصفهم: {وَلا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا} ونهايته ما أتى به هؤلاء المشفقون ، ولدينا كتاب يحفظ أعمالهم ينطق بالحق وهم لا يظلمون . بل نوفر عليهم ثواب كل أعمالهم {بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا} هو أيضاً وصف لهم بالحيرة كأنه قال: وهم مع ذلك الوجل والخوف كالمتحيرين في جعل أعمالهم مقبولة أو مردودة {وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ} . أي: لهم أيضاً من النوافل ووجوه البر سوى ما هم عليه . إما أعمالاً قد عملوها في الماضي أو سيعملونها في المستقبل . ثم إنه تعالى رجع .
قال الرازيّ: وقول أبي مسلم أولى لأنه إذا أمكن ردّ الكلام إلى ما يتصل به من ذكر المشفقين ، كان أولى من ردّه إلى ما بعد منه ، وقد يوصف المرء لشدة فكره في أمر آخرته ، بأن قلبه في غمرة ، ويراد أنه قد استولى عليه الفكر في قبول عمله أو ردّه ، وفي أنه هل أداه كما يجب أو قصر . انتهى .
وبعدُ فإن نظم الآية الكريمة يحتمل لذلك . ولكن لم يرد وصف الغمرة في حق المؤمنين أصلاً بل لم يوصف بها إلا قلوب المجرمين ، كما تراه في الآيات أولاً . فالذوق الصحيح ورعاية نظائر الآيات ، يأبى ما أغرب به أبو مسلم أشد الإباء . والله أعلم .
{حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ} أي: متنعميهم: {بِالْعَذَابِ} أي: بالانتقام ، مثل أخذهم يوم بدر: {إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ} أي: يصرخون باستغاثة أو الآية . كقوله تعالى: {وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلاً إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالاً وَجَحِيماً وَطَعَاماً ذَا غُصَّةٍ وَعَذَاباً أَلِيماً} [المزمل: 11 - 13] . وقوله تعالى: