الثالث: زهد المشمرين في السير إلى الله، وهو نوعان:
أحدهما: الزهد في الدنيا جملة، وليس المراد إخلاء اليد منها وقعوده صفراً منها، وإنما المراد إخراجها من قلبه بالكلية، فلا يلتفت إليها، ولا يدعها تساكن قلبه وإن كانت في يده، فليس الزهد أن تترك الدنيا من يدك وهي في قلبك، وإنما الزهد أن تتركها من قلبك وهي في يدك كحال الأنبياء والمرسلين والخلفاء الراشدين، فليس الزهد في المال، وإنما الزهد فراغ القلب عنه، ولقد كان سليمان - صلى الله عليه وسلم - في ملكه من الزهاد.
الثاني: الزهد في النفس، وهو أصعب الأقسام وأشقها، وأكثر الزاهدين إنما وصلوا إليه ولم يلجوه.
فالزاهد يسهل عليه الزهد في الحرام لسوء مغبته، وقبح ثمرته، وحماية لدينه، وإيثاراً للذة، والنعيم على العذاب، وأنفة من مشاركة الفساق والفجرة، وحمية من أن يستأسره عدوه.
ويسهِّل على الإنسان الزهد في المكروهات وفضول المباحات علمه بما يفوته بإيثارها من اللذة والسرور الدائم، والنعيم المقيم.
ويسهِّل عليه الزهد في الدنيا معرفته بما وراءها، وما يطلبه من العوض التام
والمطلب الأعلى.
وأما الزهد بالنفس فهو ذبحها بغير سكين وهو نوعان:
أحدهما: أن تميتها فلا يبقى لها عندك من القدر شيء، فلا تغضب لها، ولا ترضى لها، ولا تنتصر لها، ولا تنتقم لها.
قد سبَّلت عرضها ليوم فقرها، فهي أهون عليك من أن تنتصر لها، أو تنتقم لها، أو تجيبها إذا دعتك.
وهذا هو عين حياتها وصحتها، ولا حياة لها بدون هذا البتة.
وهذه العقبة هي آخر عقبة يشرف منها الإنسان على منازل المقربين، ويخلص من سجون المحن والبلاء، وأسر الشهوات، وتتعلق بربها ومعبودها ومولاها الحق، فيا قرة عينها وسرورها بقربه، ويا بهجتها بالخلاص من عدوها، واللجوء إلى مولاها الحق، ومالك أمرها، ومتولي مصالحها.
الثاني: أن يبذل نفسه للمحبوب مولاه جملة، بحيث لا يستبقي منها شيئاً، بل يزهد فيها زهد المحب في قدر خسيس من ماله، قد تعلقت رغبة محبوبه به.
فهكذا زهد المحب الصادق في نفسه قد خرج عنها وسلمها لربه.
وجميع مراتب الزهد السابقة مبادٍ ووسائل لهذه المرتبة.