فما كان له منها فسوف يأتيه على ضعفه، وما لم يكن له منها فلن يناله بقوته، وبذلك يتخلص بالثقة بالله من قحة الإقدام، والجرأة على إقدامه على ما لم يحكم له به، ولا قسم له.
الثانية: درجة الأمن، وهو أمن العبد من فوت المقدور، فمن حصل له الإياس من منازعة الأقسام حصل له الأمن.
فمن عرف الله وعلم أن ما قضاه الله فلا مرد له البتة أمن من فوت نصيبه الذي قسمه الله له، وأمن من نقصان ما كتبه الله له، فيظفر بروح الرضا؛ لأن صاحب الرضا في راحة، ولذة وسرور.
فإن لم يحصل له هذا المقام ظفر بعين اليقين، وهو قوة الإيمان، فإن لم يحصل
له هذا المقام حصل على لطف الصبر، وما فيه من حسن العاقبة.
الثالثة: شهود تفرد الرب تعالى بالبقاء، وتيقنه فراغ الرب عزَّ وجلَّ من المقادير، وسبق القدر بها، وبذلك يتخلص من المحن التي تعرض له، ويتخلص من الالتفات إلى الأسباب بقلبه، ويتخلص كذلك من طلب ما حماه الله تعالى عنه قدراً، فلا يتكلف طلبه وقد حماه الله عنه.
ويتخلص كذلك من تكلف الاحترازات، وشدة احتمائه من المكاره، لعلمه بسبق القدر بما كتب الله له منها، لكن يحتمي مما نهى الله عنه، وما لا ينفعه في طريقه.
وإذا كان الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - في جانب فاحذر أن تكون في الجانب الآخر، فإن ذلك يفضي إلى المشاقة والمحادة، ولا تستسهل هذا فإن مباديه تجر إلى غايته، وقليله يدعو إلى كثيره، وكن في الجانب الذي فيه الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم -، وإن كان الناس كلهم في الجانب الآخر، فإن لذلك عواقب هي أحمد العواقب وأفضلها، وليس للعبد بأنفع من ذلك في دنياه قبل آخرته.
وأكثر الخلق إنما يكونون في الجانب الآخر، لا سيما إذا ضعف الإيمان، وقويت الرغبة أو الرهبة، فهناك لا تكاد تجد أحداً في الجانب الذي فيه الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم -.
بل يعده الناس ناقص العقل، سيئ الاختيار لنفسه، وربما نسبوه إلى الجنون.
وذلك من مواريث أعداء الرسل، فإنهم نسبوهم إلى الجنون لما كانوا في شق وجانب، والناس في شق وجانب آخر.