قال صاحب الكشاف: «وقوله وَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ أي: أخبارا يسمر بها، ويتعجب منها. والأحاديث تكون اسم جمع للحديث، ومنه أحاديث رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وتكون جمعا للأحدوثة: التي هي مثل الأضحوكة والألعوبة والأعجوبة. وهي: مما يتحدث به الناس تلهيا وتعجبا، وهو المراد هنا» .
ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك جانبا من قصة موسى وهارون - عليهما السلام - فقال:
ثُمَّ أَرْسَلْنا مُوسى وَأَخاهُ هارُونَ بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْماً عالِينَ.
أي: ثم أرسلنا من بعد أولئك الأقوام المهلكين الذين جعلناهم أحاديث مُوسى وَأَخاهُ هارُونَ بِآياتِنا الدالة على قدرتنا، وهي الآيات التسع وهي: العصا، واليد، والسنون، والبحر، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم.
وزودناه مع هذه الآيات العظيمة بسلطان مبين، أي: بحجة قوية واضحة، تحمل كل عاقل على الإيمان به، وعلى الاستجابة له.
وكان هذا الإرسال منا لموسى وهارون إلى فرعون وملئه، أي: وجهاء قومه وزعمائهم الذين يتبعهم غيرهم.
فَاسْتَكْبَرُوا جميعا عن الاستماع إلى دعوة موسى وهارون - عليهما السلام، وَكانُوا قَوْماً عالِينَ أي مغرورين متكبرين، مسرفين في البغي والعدوان.
ثم بين - سبحانه - مظاهر هذا الغرور والتكبر من فرعون وملئه فقال: فَقالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا وهما موسى وهارون وَقَوْمُهُما أي: بنو إسرائيل الذين منهم
موسى وهارون لَنا عابِدُونَ أي: مسخرون خاضعون منقادون لنا كما ينقاد الخادم لمخدومه.
فأنت ترى أن فرعون وملأه، قد أعرضوا عن دعوة موسى وهارون، لأنهما - أولا - بشر مثلهم، والبشرية - في زعمهم الفاسد - تتنافى مع الرسالة والنبوة، ولأنهما - ثانيا - من قوم بمنزلة الخدم لفرعون وحاشيته، ولا يليق - في طبعهم المغرور - أن يتبع فرعون وحاشيته من كان من هؤلاء القوم المستضعفين.
قال الآلوسي: «وقوله: فَقالُوا عطف على فَاسْتَكْبَرُوا وما بينهما اعتراض مقرر للاستكبار، والمراد: فقالوا فيما بينهم .. وثنى البشر لأنه يطلق على الواحد كقوله - تعالى - بَشَراً سَوِيًّا