51 -وقوله: {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ} نداء وخطاب لجميع الأنبياء، لا على أنهم خوطبوا بذلك دفعة؛ لأنهم أرسلوا في أزمنة مختلفة، بل على أن كلاً منهم، خوطب به في زمانه، فيدخل تحته عيسى دخولًا أوليًا، فهذا حكاية لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - على وجه الإجمال لما خوطب به كل رسول في عصره جيء بها إثر حكاية إيواء عيسى عليه السلام، وأمه إلى الربوة إيذانًا بأن ترتيب مبادئ التنعم لم يكن من خصائصه عليه السلام، بل إباحة الطعام شرع قديم، جرى عليه جميع الرسل عليهم السلام، ووصوا به؛ أي: وقلنا لكل رسول كُلْ من الطيبات، واعمل صالحًا، فعبر عن تلك الأوامر المتعددة المتعلقة بالرسل بصيغة الجمع عند الحكاية إجمالًا للإيجاز، وفيه من الدلالة على بطلان ما عليه الرهبان من رفض الطيبات ما لا يخفى. اهـ. من"البيضاوي"و"أبي السعود".
ويعلم من قوله: فهذا حكاية لرسول الله ... إلخ، أن في الكلام حذفًا، تقديره: ونخبرك يا محمد، أنا أمرنا الرسل المتقدمين قبلك، وقلنا لهم: يا أيها الرسل {كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ} ؛ أي: من الحلالات، سواء كانت مستلذة أو لا، وسواء كانت من المآكل والمشارب.
{وَاعْمَلُوا صَالِحًا} ؛ أي: عملًا صالحًا من الفرائض، والنوافل، فإنه المقصود منكم والنافع عند ربكم، وهذا الأمر للوجوب، بخلاف الأول فإنه للإرشاد.
فائدة: وفي هذا رد وهدم لما قالهُ بعض الجهلة، من أن العبد إذا بلغ غاية المحبة، وصفا قلبه، واختار الإيمان على الكفر من غير نفاق، سقطت عنه الأعمال الصالحة من العبادات الظاهرة، وتكون عبادته التفكر، وهذا كفر وضلال، فإن أكمل الناس في المحبة والإيمان هم الرسل، خصوصًا حبيب الله محمد - صلى الله عليه وسلم - مع أن التكاليف بالأعمال الصالحة والعبادات في حقهم أتم وأكمل.