{فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا} في الهلاك بما نزل بهم من العذاب {وَجَعَلْنَاهُمْ} ؛ أي: وجعلنا تلك الأمم المهلكة {أَحَادِيثَ} وحكايات وأمثالًا وأعاجيب، يتحدث ويتعجب منها لمن بعدهم، جمع أحدوثة، وهي ما يتحدث به عجبًا وتسليًا ومسامرة، أو جمع حديث على غير قياس، كما سيأتي في مبحث التصريف، والمراد هنا: المعنى الأول؛ أي: صاروا يتحدث بهم وبحالهم في الإهلاك، على سبيل التعجب والاعتبار، وضرب المثل بهم؛ أي: لم يبق منهم عين ولا أثر، إلا حكايات يسمر بها، ويتعجب منها، ويعتبر بها المعتبرون من أهل السعادة.
فَإِنْ قُلْتَ: لِمَ أضاف الرسل إلى نفسه سبحانه، حيث قال: {رسلنا} وأضاف الرسول إلى الأمة، حيث قال: {رَسُولُهَا} ؟
قلت: إن الإضافة تكون للملابسة، والرسول يلابس المرسل والمرسل إليه.
فالأول: كانت الإضافة فيه لتشريف الرسل.
والثاني: كانت الإضافة فيه إلى الأمة حيث كذبته، ولم ينجح فيهم إرساله إليهم، فناسبت الإضافة إليهم.
{فَبُعْدًا} ؛ أي: ألزمنا بعدًا من الرحمة {لِقَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ} بالله تعالى، ولا يصدقون رسوله، وبما جاء به أيًّا كانوا.
فَإِنْ قُلْتَ: لم نكر القوم هنا حيث قال: {لِقَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ} وعرفه فيما تقدم. حيث قال: {لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} ؟
قلت: نكره هنا؛ لأن القرون المذكورة هنا منكرة غير معينة، بخلاف ما تقدم، فإنه في حق قوم معين كما سبق، وفي الآية دلالة على أن عدم الإيمان سبب للهلاك والعذاب في النيران، كما أن التصديق مدار للنجاة والتنعم في الجنان.
قصة موسى وهارون عليهما السلام