وجاء فِي حاشية الكشاف عن جواب"فَلَمَّا"قول ابن المنير:"فالظاهر أن يجعل"ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ " جواب"فَلَمَّا"، إلا أن فيه مانعًا لفظيًّا ، هو توحيد الضمير فِي " اسْتَوْقَدَ"و"حَوْلَهُ"، وجمعه فِي"بِنُورِهِمْ". ومعنويَّا ، وهو أن المستوقد لم يفعل ما يستحق به إذهاب النور ، بخلاف المنافق ؛ فجَعْلُهُ جوابًا يحتاج إلى تأويل".
وتأويله ليس على ما تقدم من أقوال ؛ وإنما تأويله على ما ذكرنا أن هذا"الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا"كان واحدًا فِي جماعة معه ، استدعى إيقاد النار. أي: طلبه ، وسعى فِي تحصيله ، فلما أوقِدت له النار وأضاءت ما حوله واجتمع القوم على ضوئها ، ذهب الله بنور طائفة مخصوصة منهم.
كذلك كان شأن المنافقين وحالهم ، مع رسول الله صلى الله عليه وسلم المبعوث هدًى ورحمة للعالمين ، كذبٌ ونفاق وخداعٌ وإفساد واستهزاء ، فكان أن وقعوا فِي ضلالتهم ، التي اشتروها بالهدى ، وخبطوا فِي مستنقع الحيرة ، التي أدهشتهم ؛ ولهذا كذبهم الله تعالى بادعائهم الإيمان ، وذمَّهم بأنهم دخلوا فِي الإيمان ، ثم خرجوا منه بقوله الله تعالى:
"إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ * اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ *ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آَمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ" (المنافقون: 1 - 3) .
وبذلك يكون الغرض من هذا التمثيل: تشبيه مثل المنافقين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بمثل القوم مع الذي استوقد نارًا ، وما حصل لهم من إذهاب نورهم ؛ لأنهم آثروا الظلمة على النور.