وأما جملة (ورعد وبرق) فاعلم! أن المقصد تصوير حيرتهم ودهشتهم ، وأن المصاب المتحير يجمع تمام دقته ونظره إلى أدنى حادث. فلإمعان النظر يتفطنون لما فِي الرعد والبرق من الانقلابات العجيبة والتحول الغريب. إذ بينما يرى المصابون ظلمة استولت على الكائنات وابتلعت الموجودات - نظير العدم - فتنقلب حيرتُهم بالغمِّ اليتميّ والسكوت الميتيّ ؛ إذ يرون أظهر دلائل الوجود ، وهو تكلم العلويات ، ثم ظهورها بكشف الحجاب فينقلب نظرهم إلى نظر المدهوش المتحير الخائف ؛ إذ كما انهم إذا رأوا ظلمات غير محصورة فِي فضاء غير متناه ، لا ضعفَ فيه بجانبٍ يُبقي لهم أملاً ، ينظرون نظر اليأس ؛ كذلك إذا فاجأهم بغتة انعدام الظلمات بان افرغت من الفضاء ، وملئ بدلها نوراً ينقلب يأسهُم المطلق إلى رجاء.
اعلم! أن الرعد والبرق آيتان ظاهرتان من جهة العالم الغيبيّ فِي أيدي الملائكة الموكلين على عالم السحاب لتنظيم قوانينه. ثم أن الحكمة الإلهية ربطت الأسباب بالمسَّببَات فإذا تشكل السحاب من بخار الماء المنتشر فِي الهواء ؛ صار قسم حاملاً"للالكتريك"المنفي وقسم حاملاً"للالكتريك"المثبت ؛ فحينما يتقاربان يتصادمان دفعة فيتولد البرق. ثم بالهجوم والانقلاع دفعة وامتلاء موضعه بآخر لعدم الخلو ، يهتز وتتموج الطبقات فيتولد صدى الرعد. ولا تجري هذه الحالات الا تحت نظام وقانون يتمثلهما مَلَك الرعد والبرق. وأما ظرفية الصيّب لهما مع أن الظرف هو السحاب فلأن المدهوش والسامع المتدهش بدهشته يرى الصيب محيطا بكل شيء لإحاطته بنفسه. وأما إفراد الرعد والبرق مع جمع الظلمات ، فإشارة إلى أن منشأ الدهشة تخيل المصاب تكلمَ السماء وتهديدَها بالإرعاد ، وكشفَ الحجاب بالابراق ، وهما معنى مصدريّ للكلام واليد البيضاء. وأيضا كل منهما نوع واحد وأن تعددت أفراده.