كيف لا ومساق الكلام حينئذ لبيانِ ثبوتِ الجزاء على كل حال بتعليقه بما ينافيه ليُعلم ثبوتُه عند وقوعِ ما لا ينافيه بالطريق الأولى ، كما فِي قوله عز وجل: {قُل لَّوْ أَنتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبّى إِذًا لأمْسَكْتُمْ} وقوله عليه السلام:"لو كان الإيمانُ فِي الثريا لناله رجالٌ من فارس"وقولِ علي رضي الله عنه:"لو كُشفَ الغطاءُ ما ازددتُ يقيناً"فإن الأجزيةَ المذكورة قد نيطت بما ينافيها ويستدعي نقائضَها ، إيذاناً بأنها فِي أنفسها بحيث يجب ثبوتُها مع فرض انتفاءِ أسبابها أو تحققِ انتفاء أسبابها ، فكيف إذا لم يكن كذلك على طريقة لو الوصلية ، فِي مثل قوله تعالى: {يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِئ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ} ولها تفاصيلُ وتفاريعُ حررناها فِي تفسير قوله تعالى: {أَوَلَوْ كُنَّا كارهين} وقول عمرَ رضي الله عنه:"نعم العبدُ صهيبٌ لو لم يخَفِ الله لم يعصِه"إنْ حُمل على تعليق عدمِ العصيان فِي ضمن عدمِ الخوف بمدارٍ آخرَ نحوُ الحياء والإجلالِ وغيرهما مما يجامِعُ الخوفَ كان من قبيل حديث ابنةِ أبي سلمة ، وإن حُمل بيانُ استحالة عصيانه مبالغةً كان من هذا القبيل ، والآية الكريمة ، واردة على الاستعمال الشائعِ مفيدةٌ لكمال فظاعة حالِهم وغايةِ هول ما دهَمهم من المشاقّ ، وأنها قد بلغت من الشدة إلى حيث لو تعلقت مشيئةُ الله تعالى بإزالة مشاعرِهم لزالت ، لتحقق ما يقتضيه اقتضاءً تاماً ، وقيل: كلمة (لو) فيها لربط جزائها بشرطِها مجردةً عن الدلالة على انتفاء أحدِهما لانتفاء الآخر بمنزلة كلمة أن ، ومفعولُ المشيئة محذوفٌ جرياً على القاعدة المستمرة فإنها إذا وقعت شرطاً وكان مفعولُها مضموناً للجزاء فلا يكاد يُذكر إلا أن يكون شيئاً مستغرباً كما فِي قوله:
فلو شئتُ أن أبكِي دماً لبَكَيْتُه... عليه ولكن ساحةُ الصبر أوسعُ