وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي ، حدثنا علي بن محمد الطَّنَافسي حدثنا ابن إدريس ، سمعت أبي يذكر عن المنهال بن عمرو ، عن قيس بن السكن ، عن عبد الله بن مسعود: {نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ} [التحريم: 8] قال: على قدر أعمالهم يمرون على الصراط ، منهم من نوره مثل الجبل ، ومنهم من نوره مثل النخلة ، وأدناهم نورًا من نوره فِي إبهامه يتقد مرة ويطفأ أخرى.
وقال ابن أبي حاتم أيضًا: حدثنا محمد بن إسماعيل الأحمسي ، حدثنا أبو يحيى الحِمَّاني ، حدثنا عُتْبَةُ بن اليقظان ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قال: ليس أحد من أهل التوحيد إلا يعطى نورًا يوم القيامة ، فأما المنافق فيطفأ نوره ، فالمؤمن مشفق مما يرى من إطفاء نور المنافقين ، فهم يقولون: ربنا أتمم لنا نورنا.
وقال الضحاك بن مزاحم: يعطى كل من كان يظهر الإيمان فِي الدنيا يوم القيامة نورًا ؛ فإذا انتهى إلى الصراط طفئ نور المنافقين ، فلما رأى ذلك المؤمنون أشفقوا ، فقالوا:"ربنا أتمم لنا نورنا".
فإذا تقرر هذا صار الناس أقسامًا: مؤمنون خُلّص ، وهم الموصوفون بالآيات الأربع فِي أول البقرة ، وكفار خلص ، وهم الموصوفون بالآيتين بعدها ، ومنافقون ، وهم قسمان: خلص ، وهم المضروب لهم المثل الناري ، ومنافقون يترددون ، تارة يظهر لهم لُمَعٌ من الإيمان وتارة يخبو وهم أصحاب المثل المائي ، وهم أخف حالا من الذين قبلهم.
وهذا المقام يشبه من بعض الوجوه ما ذكر فِي سورة النور ، من ضرب مثل المؤمن وما جعل الله فِي قلبه من الهدى والنور ، بالمصباح فِي الزجاجة التي كأنها كوكب دُرّي ، وهي قلب المؤمن المفطور على الإيمان واستمداده من الشريعة الخالصة الصافية الواصلة إليه من غير كدر ولا تخليط ، كما سيأتي تقريره فِي موضعه إن شاء الله.