وروي أن قوماً من الأعراب خرجوا يمتارون ، فلما صدروا ، خالف رجل في بعض الليل إِلى عكْم صاحبه ، فأخذ منه بُرّاً وجعله في عِكْمه ، فلما أراد الرحلة وقاما يتعاكمان ، رأى عِكْمه يشول ، وعِكْم صاحبه يثقل ، فأنشأ يقول:
عِكْم تغشَّى بعضَ أعكام القوم ...
لَمْ أَرَ عِكْماً سَارقاً قبل اليوم
فخوَّن صاحبه بوجهٍ هو ألطف من التصريح.
قال ابن الأنباري: كلام إِبراهيم كان صدقاً عند البحث ، ومعنى قول النبي صلى الله عليه وسلم:"كذب إِبراهيم ثلاث كذبات"قال قولاً يشبه الكذب في الظاهر ، وليس بكذب.
قال المصنف: وقد ذهب جماعة من العلماء إِلى هذا الوجه ، وأنه من المعاريض ، والمعاريض لا تُذم ، خصوصاً إِذا احتيج إِليها ، روى عمران بن حصين ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إِن في المعاريض لمندوحة عن الكذب"، وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ما يسرُّني أنّ لي بما أعلم من معاريض القول مِثْل أهلي ومالي ، وقال النخعي: لهم كلام يتكلَّمون به إِذا خشوا من شيء يدرؤون به عن أنفسهم.
وقال ابن سيرين: الكلام أوسع من أن يكذب ظريف ، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعجوز:"إِن الجنَّة لا تدخلها العجائز"، أراد قوله تعالى: {إِنّا أنشأناهُنَّ إِنشاءً} [الواقعة: 35] ،"وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يمازح بلالاً ، فيقول:"ما أُخت خالك منك"؟ ، وقال لامرأة:"مَنْ زوجُك"؟ فسمَّته له ، فقال:"الذي في عينيه بياض"؟ ، وقال لرجل:"إِنا حاملوك على ولد ناقة"، وقال له العباس: ما ترجو لأبي طالب؟ فقال:"كل خير أرجوه من ربِّي"، وكان أبو بكر حين خرج من الغار مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إِذا سأله أحد: مَنْ هذا بين يديك؟ يقول: هادٍ يهديني."
وكانت امرأة ابن رواحة قد رأته مع جارية له ، فقالت له: وعلى فراشي أيضا؟! فجحد ، فقالت له: فاقرأ القرآن ، فقال: