فَقَالَ: اُدْعِي اللَّهَ لِي وَلَا أَضُرُّك ، فَأُطْلِقَ ، فَدَعَا بَعْضَ حَجَبَتِهِ فَقَالَ: لَمْ تَأْتِنِي بِإِنْسَانٍ ، إنَّمَا أَتَيْتنِي بِشَيْطَانٍ ، فَأَخْدَمَهَا هَاجَرَ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: قَوْله تَعَالَى: {بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا} اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي ظَاهِرِ الْمَقْصُودِ بِهِ ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: هَذَا تَعْرِيضٌ ، وَفِي التَّعَارِيضِ مَنْدُوحَةٌ عَنْ الْكَذِبِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ إنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ ؛ فَشَرَطَ النُّطْقَ
فِي الْفِعْلِ.
وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ: لِأَنَّهُ عَدَّدَهُ عَلَى نَفْسِهِ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ خَرَجَ مَخْرَجَ التَّعْرِيضِ ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَهُمْ وَيَتَّخِذُونَهُمْ آلِهَةً دُونَ اللَّهِ ، وَهُمْ كَمَا قَالَ إبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْك شَيْئًا ؟ فَقَالَ إبْرَاهِيمُ: بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا ، لِيَقُولُوا إنَّهُمْ لَا يَنْطِقُونَ وَلَا يَفْعَلُونَ وَلَا يَنْفَعُونَ وَلَا يَضُرُّونَ ، فَيَقُولُ لَهُمْ: فَلِمَ تَعْبُدُونَ ؟ فَتَقُومُ الْحُجَّةُ عَلَيْهِمْ مِنْهُمْ.
وَلِهَذَا يَجُوزُ عِنْدَ الْأَئِمَّةِ فَرْضُ الْبَاطِلِ مَعَ الْخَصْمِ حَتَّى يَرْجِعَ إلَى الْحَقِّ مِنْ ذَاتِ نَفْسِهِ ، فَإِنَّهُ أَقْرَبُ فِي الْحُجَّةِ وَأَقْطَعُ لِلشُّبْهَةِ ، كَمَا قَالَ لِقَوْمِهِ: هَذَا رَبِّي ، عَلَى مَعْنَى الْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ ، حَتَّى إذَا أَفَلَ مِنْهُمْ تَبَيَّنَ حُدُوثُهُ ، وَاسْتِحَالَةُ كَوْنِهِ إلَهًا.