فالاستفهام هنا على غير حقيقته ، بل هو استفهام إنكاري يحمل لهجة الاستهزاء والسخرية والتقريع ، ولا بد أنه ألقى عليهم هذا السؤال بشكل أدائي يُوحي بالتقريع .
وسبق أنْ تحدّثنا في معنى (أبيه) هنا وقلنا: المراد عَمُّه ، بدليل قوله في موضع آخر: {لأَبِيهِ آزَرَ ...} [الأنعام: 74] فقد بدأ المسألة بأبيه أو عمه ، وهو أقرَبُ الناس إليه ، يريد أن يطمئنَ الناسُ إلى ما يدعو إليه ، وأنه خير ، وإلا ما بدأ بأبيه .
وأيضاً لأن القوم قد لا يكونُ لهم في نفسه تأثير هَيْبة أو حُبٍّ إنما الهيبة والحب موجود بالنسبة لأبيه أو لعمه ، ومع ذلك لم تمنعه هذه الهيبة أنْ يُسقِّه كلامهم وأفعالهم الباطلة ، كما جاء في قول الله تعالى: {قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقترفتموها وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَآ أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِّنَ الله وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حتى يَأْتِيَ الله بِأَمْرِهِ والله لاَ يَهْدِي القوم الفاسقين} [التوبة: 24] .
وقد وقف المفسرون عند اللام في قوله تعالى: {لَهَا عَاكِفُونَ} [الأنبياء: 52] مع أن المعنى: يعكفون على عبادتها ، كما جاء في آية أخرى: {فَأَتَوْاْ على قَوْمٍ يَعْكُفُونَ على أَصْنَامٍ لَّهُمْ ...} [الأعراف: 138] وهنا جاءت باللام ؛ لذلك قال بعضهم: اللام هنا بمعنى على ، فلماذا عدَل عن علي إلى اللام؟