وبعد أن سلى الله رسوله صلى الله عليه وسلم، وبين له أن عاقبة هؤلاء كعاقبة أولئك، إن استمروا على استهزائهم. أمره أن يقول: قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ أي يحفظكم بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ أي ليلا ونهارا مِنَ الرَّحْمنِ أي من عذابه؟ والجواب: لا أحد، ولكن لما كانوا من الغفلة والإعراض والتصامم بحيث ليس عندهم استعداد حتى للسماع فضلا عن الفهم، فضلا عن الإجابة الصحيحة، قال تعالى بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ
ثم قرر الله عزّ وجل أنه وحده هو الكافي، وبالتالي فهو القادر على إنزال العذاب متى شاء، قرر ذلك من خلال هذا السؤال الإنكاري التقريعي التوبيخي أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنا أي ألهم آلهة
تمنعهم وتكلؤهم غيرنا؟ ليس الأمر كما توهموا ما زعموا، ولهذا قال: لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ أي هذه الآلهة التي استندوا إليها من دون الله لا تستطيع نصر أنفسها وَلا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ أي ولا هؤلاء الآلهة المزعومة يعانون ويوفقون من الله، وما ليس بقادر على نصر نفسه ومنعها ولا بمصحور من الله بالنصر والتأييد كيف يمنع غيره وينصره؟
ثم قال تعالى: بَلْ مَتَّعْنا هؤُلاءِ وَآباءَهُمْ حَتَّى طالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ أي إن ما الكافرون فيه من الحفظ والكلاءة إنما هو من الله، لا من مانع يمنعهم وما كلأهم الله وآباءهم الماضين إلا تمتيعا لهم بالحياة الدنيا، وإمهالا كما متعنا غيرهم من الكفار وأمهلناهم، حتى طال عليهم الأمد فقست قلوبهم وظنوا أنهم دائمون على ذلك، وهو أمل كاذب أَفَلا يَرَوْنَ أي كدليل على أن الأمر أمر الله، وأن أحدا لا يمنع منه أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ لدولة ما نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها فنقلص سلطانهم عليها، إدالة عليهم لدولة أخرى أَفَهُمُ الْغالِبُونَ الذين يغلبون جند الله ورسله؟ لا. بل الله ورسوله وجندهم الغالبون، ولنا عودة على تفسير هذه الآية،