أَو المراد يخشون ربهم وهو غير مرئى لهم، فقد عرفوا بالنظر والاستدلال أَن لهم ربًّا قادرًا على أَن يجازى على الأَعمال فهم يخشونه - جل شأْنه -، ويخافون عذابه وهو غير مشاهَدٍ لهم، ووصف المتقين بالإِيمان بالغيب، شهادةٌ بصدق إِيمانهم، ومدحٌ لهم، كما في قوله تعالى: {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ} . وقوله: {الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ} . وقوله: {مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ} . إِلى غير ذلك من الآيات، وإنما وصف المتقون بالخشية من الساعة بعد أَن وُصفوا بعموم خشيتهم من الله، لتهويل أَمرها، ووصفهم بضد ما اتصف به المستعجلون الذين لجُّوا في عُتُوِّهم، وأَعرضوا عن ذكر ربهم، والثناء على المتقين من أَهل التوراة قبل أَن ينسخها بالإِنجيل ثم بالقرآن العظيم، الذي أَوجب الله الإِيمان به على اليهود والنصارى وسائر البشر، ولهذا قال سبحانه:
50 - {وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ} :
أي: وهذا القرآن ذكْر يتعظ به أُولو الأَلباب، كثير البركة موفور النفع، أَنزلناه تأييدًا لرسولنا محمد وآيةً على نبوَّته، أَفأَنتم له منكرون وقد عجزتم عن الإِتيان بمثله، أفَلَيس ذلك آية على أَنه منزل من عند الله كالتوراة التي آمن بها غيركم، لقد ضللتم عن الهدى، وتجاوزتم الحد يا معشر قريش، وكنتم بإنكاركم له من الخاسرين. انتهى انتهى {التفسير الوسيط، لمجموعة من علماء الأزهر} ...