وإِيراد اسم الرب المضاف إلى ضميرهم المنبئ عن كونهم تحت ملكوته وتدبيره وتربيته للإِيذان بأَنهم بلغوا الغاية القصوى في الغى والضلال حين أعرضوا عن شكره وذكره سبحانه وتعالى.
فإِن قيل: إنما اتخذوا الآلهة وعبدوها لتُقَربهم إليه زلفى، فهم يعرفون أَنه ربهم، فالجواب: أَن من عرف الله لا يصح أَن يعبد سواه، ولا أن يلجأ إلى ذكر غيره ويعرض عن ذكره، كما فعل هؤلاء، فكانوا بإشراكهم وإعراضهم عنه جاهلين بجنابه - سبحانه.
43 - {أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنَا .... } الآية.
انتقال من بيان جهلهم بكلاءَة الله وحفظه إياهم، وإعراضهم عن ذكره - جل شأْنه - إعراضًا تاما - انتقال من ذلك - إلى توبيخهم لاعتمادهم على آلهتهم وإسنادهم الحفظ إل
والمعنى: بل أللمشركينِ آلهة تحفظهم وتحميهم من عذاب يأْتيهم من جهتنا، فهم مُعوِّلُون عليها واثقون بها، كلاّ فهم كما قال الله:
{لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلَا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ} : وهو استئناف مؤكد لما قبله من الإنكار، وموضح لبطلان اعتقادهم في أَن تستطيع تلك الآلهة أَن تدفع عنهم ما ينزل بهم من شدائد وويلات، حيث إن آلهتهم لا يستطيعون أن ينصروا أنفسهم، ولا يجدون من يجيرهم ويدفع عنهم قضاءً من جهتنا، بل هم في غاية العجز، فكيف يتوهم أن ينصروا عابديهم، ويستجيبوا لمن يدعونهم من دوننا.
وقيل: {لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلَا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ} : أُريد به الكفرة، وروى ذلك عن قتادة وابن عباس - رضى الله تعالى عنهما - على معنى لا يستطيع الكفار نصر أنفسهم بآلهتهم، ولا يصحبهم نصر من جهتنا.
44 - {بَلْ مَتَّعْنَا هَؤُلَاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ } الآية.
إِضراب انتقالى عما تدل عليه الآية السابقة من بطلان توهم نصر آلهتهم - إلى الإخبار بأنهم إِنما وقعوا في هذا التوهم الباطل بسبب أَننا متعناهم وآباءَهم بما يشتهون من النعمة وطال عليهم العمر فيها، حتى ظنوا أنها لا تزول عنهم، فافتروا وأَعرضوا عن التدبر والتفكر في آيات ربهم، وبعدوا عن الحق واتبعوا ما سولته لهم أَنفسهم.