قيل هو شِق غلام لا روح فيه ولدته إحدى نسائه ، أي ما جعلناهم أجراماً غير منبثة فيها الأرواح بحيث تنتفي عنهم صفات البشَر التي خاصتها أكل الطعام ، وهذا رد لما يقولونه {ما لهذا الرسول يأكل الطعام} [الفرقان: 7] مع قولهم هنا {هل هذا إلا بشر مثلكم} [الأنبياء: 3] .
وذكر الجسد يفيد التهكم بالمشركين لأنهم لما قالوا {ما لهذا الرسول يأكل الطعام} [الفرقان: 7] ، وسألوا أن يأتي بما أرسل به الأولون كان مقتضى أقوالهم أن الرسل الأولين كانوا في صور الآدميين لكنهم لا يأكلون الطعام وأكل الطعام من لوازم الحياة ، فلزمهم لما قالوا ما لهذا الرسول يأكل الطعام أن يكونوا قائلين بأن شأن الرسل أن يكونوا أجساداً بلا أرواح ، وهذا من السخافة بمكانة.
وأما قوله: {وما كانوا خالدين} فهو زيادة استدلال لتحقيق بشريتهم استدلالاً بما هو واقع من عدم كفاءة أولئك الرسل كما هو معلوم بالمشاهدة ، لقطع معاذير الضالين ، فإن زعموا أن قد كان الرسل الأولون مخالفين للبشر فماذا يصنعون في لحاق الفناء إياهم.
فهذا وجه زيادة {وما كانوا خالدين} .
وأُتي في نفي الخلود عنهم بصيغة {ما كانوا} تحقيقاً لتمكن عدم الخلود منهم.
{ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْنَاهُمْ وَمَنْ نَشَاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ (9) }
{ثم} عاطفة الجملة على الجمل السابقة فهي للترتيب الرتبي.
والمعنى: وأهَمُّ مما ذكر أنّا صدقناهم الوعد فأنجيناهم وأهلكنا الذين كذبوهم.
ومضمون هذا أهم في الغرضين التبشير والإنذار.
فالتبشيرُ للرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بأن الله صادِقُه وعده من النصر ، والإنذارُ لمَن ماثَل أقوامَ الرسل الأولين.