هذا بيان لبعض تلك الآيات التي هم عنها معرضون، جاء على طريق الالتفات من التكلم فيما سبق إِلى الغيبة هنا، لتأكيد الاعتناء بفحوى الكلام الذي يُذَكِّرهم الله فيه بأنه جل شأنه هو الذي خلقهن وحده، لخيرهم ومنفعتهم، فخلق الليل ليسكنوا فيه، حتى يستريحوا من مشاق العمل ومتاعبه، وخلق النهار لينصرفوا مع إشراقته إلى الدأب والسعى لتحصيل أَرزاقهم التي يسرها الله لهم، وجعل الشمس آية النهار ليستضيئوا بها وينعموا بدفئها، وجعل القمر آية الليل ليهتدوا بنوره المستمَدِّ من ضوء الشمس، ولهما أثرهما النافع في حياة النبات ونموه وخُضرته وإيتاء أُكُلهِ، وبهما يعلم عدد السنين والحساب.
{كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} : أَي كل واحد من الشمس والقمر يدور في مداره في الفضاء لا يرتكز على شيء، ولا يهوى في الفضاء، كالسابح الماهر، يشق الماء، ولا يسقط في قاعه وكذلك شأن سائر النجوم والكواكب {صُنْعَ اللهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ} .
وأسند دورانهما إلى ضمير جماعة العقلاءِ، تنزيلا لهما منزلتهم، في انتظامهما فيما سخرهما الله من أَجله، والمراد بالجمع ما فوق الواحد، واسْتُحسن ليناسب فواصل الآيات، والتعبير عن دورانهما بالسباحة لشبهه بها، من حيث إِن دورانهما في الفضاء دون أَن يسقطا، يشبه سباحة السابح الماهر في الماءِ دون أَن يسقط في القاع.
{وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ (34) كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ}
المفردات:
{الْخُلْدَ} : البقاءُ الدائم. {وَنَبْلُوكُمْ} : ونعاملكم معاملة المختَبر.
{فِتْنَةً} : محنة وابتلاءً.
التفسير
34 - {وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ } الآية.
نزلت الآية حين قال المشركون: نحن نتربص بمحمد ريب المنون ضيقا بدعوته، وكانوا يدفعون نبوته وينكرونها، ويقولون: إنه شاعر، وسيموت كما مات شاعر بنى فلان.
وكان نزولها تسلية للنبي - صلى الله عليه وسلم -، وبيان أن ما تمنوه له لَاحِق بهم.