وقيل: لأن كل ما هو آت قريب وإنما البعيد ما انقرض ومضى، وموت كل إنسان قيام ساعته، والقيامة أيضاً قريبة بالإضافة إلى ما مضى من الزمان فما بقي من الدنيا أقل مما مضى، والمراد بالناس العموم، وقيل المشركون مطلقاً، وقيل: كفار مكة وعلى هذا الوجه قيل المراد بالحساب عذابهم يوم بدر.
(وهم في غفلة) عن حسابهم وعما يفعل بهم في الدنيا (معرضون) عن الآخرة غير متأهبين لا يجب عليهم من الإيمان بالله والقيام بفرائضه والانزجار عن مناهيه، أخرج النسائي عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم في الآية"قال في الدنيا"وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"من أمر الدنيا".
(ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث) تعليل لما قبله ومن لابتداء الغاية أو زائدة، وقد استدل بوصف الذكر بكونه محدثاً على أن لفظ القرآن
محدث، لأن الذكر هنا هو القرآن، وأجيب بأنه لا نزاع في حدوث المركب من الأصوات والحروف لأنه متجدد في النزول، ولا خلاف في حدوثها فالمعني محدث تنزيله وإنما النزاع في الكلام النفسي.
وهذه المسألة أعني قدم القرآن وحدوثه قد ابتلي بها كثير من أهل العلم والفضل في الدولة المأمونية والمعتصمية والواثقية وجرى للإمام أحمد بن حنبل ما جرى من الضرب الشديد والحبس الطويل وضرب بسببها عنق محمد بن نصر الخزاعي، وصارت فتنة عظيمة في ذلك الوقت وما بعده؛ والقصة أشهر من أن تذكر، ومن أحب الوقوف على حقيقتها طالع ترجمة الإمام أحمد بن حنبل في كتاب النبلاء لمؤرخ الإسلام الذهبي.
ولقد أصاب أئمة السنة بامتناعهم من الإجابة إلى القول بخلق القرآن وحدوثه وحفظ الله بهم أمة نبيه صلى الله عليه وسلم عن الابتداع.