{قلنا: لا تخف. إنك أنت الأعلى. وألق ما في يمينك تلقف ما صنعوا إنما صنعوا كيد ساحر ، ولا يفلح الساحر حيث أتى} ..
لا تخف إنك أنت الأعلى. فمعك الحق ومعهم الباطل. معك العقيدة ومعهم الحرفة. معك الإيمان بصدق ما أنت عليه ومعهم الأجر على المباراة ومغانم الحياة. أنت متصل بالقوة الكبرى وهم يخدمون مخلوقاً بشرياً فانياً مهما يكن طاغية جباراً.
لا تخف {وألق ما في يمينك} بهذا التنكير للتضخيم {تلقف ما صنعوا} . فهو سحر من تدبير ساحر وعمله. والساحر لا يفلح أنى ذهب وفي أي طريق سار ، لأنه يتبع تخييلاً ويصنع تخييلاً ؛ ولا يعتمد على حقيقة ثابتة باقية. شأنه شأن كل مبطل أمام القائم على الحق المعتمد على الصدق.
وقد يبدو باطله ضخماً فخماً ، مخيفاً لمن يغفل عن قوة الحق الكامنة الهائلة التي لا تتبختر ولا تتطاول ولا تتظاهر ؛ ولكنها تدمغ الباطل في النهاية ، فإذا هو زاهق وتلقفه فتطويه ، فإذا هو يتوارى.
وألقى موسى.. ووقعت المفاجأة الكبرى. والسياق يصور ضخامة المفاجأة بوقعها في نفوس السحرة الذين جاءوا للمباراة فهم أحرص الناس على الفوز فيها ، والذين كانوا منذ لحظة يحمس بعضهم بعضاً ويدفع بعضهم بعضاً. والذين بلغت بهم البراعة في فنهم إلى حد أن يوجس في نفسه خيفة موسى.
ويخيل إليه وهو الرسول أن حبالهم وعصيهم حيات تسعى! يصور السياق وقع المفاجأة في نفوسهم في صورة تحول كامل في مشاعرهم ووجدانهم ، لا يسعفهم الكلام للتعبير عنه ؛ ولا يكفي النطق للإفضاء به:
{فألقي السحرة سجداً. قالوا: آمنا برب هارون وموسى} ..
إنها اللمسة تصادف العصب الحساس فينتفض الجسم كله. وتصادف"الزر"الصغير فينبعث النور ويشرق الظلام. إنها لمسة الإيمان للقلب البشري تحوله في لحظة من الكفر إلى الإيمان.