وقبل موسى عليه السلام تحدي فرعون له ؛ واختار الموعد يوم عيد من الأعياد الجامعة ، يأخذ فيه الناس في مصر زينتهم ، ويتجمعون في الميادين والأمكنة المكشوفة ؛ {قال: موعدكم يوم الزينة} . وطلب أن يجمع الناس ضحى ، ليكون المكان مكشوفاً والوقت ضاحياً. فقابل التحدي بمثله وزاد عليه اختيار الوقت في أوضح فترة من النهار وأشدها تجمعاً في يوم العيد. لا في الصباح الباكر حيث لا يكون الجميع قد غادروا البيوت. ولا في الظهيرة فقد يعوقهم الحر ، ولا في المساء حيث يمنعهم الظلام من التجمع أو من وضوح الرؤية.. !!
وانتهى المشهد الأول من مشاهد اللقاء بين الإيمان والطغيان في الميدان..
وهنا يسدل الستار ليرفع على مشهد المباراة:
{فتولى فرعون فجمع كيده ثم أتى} ..
ويجمل السياق في هذا التعبير كل ما قاله فرعون وما أشار به الملأ من قومه ، وما دار بينه وبين السحرة من تشجيع وتحميس ووعد بالمكافأة ، وما فكر فيه وما دبر هو ومستشاروه.. يجمله في جملة: فتولى فرعون فجمع كيده ثم أتى. وتصور تلك الآية الواحدة القصيرة ثلاث حركات متوالية: ذهاب فرعون ، وجمع كيده ، والإتيان به.
ورأى موسى عليه السلام قبل الدخول في المباراة أن يبذل لهم النصيحة ، وأن يحذرهم عاقبة الكذب والافتراء على الله ، لعلهم يثوبون إلى الهدى ، ويدعون التحدي بالسحر والسحر افتراء:
{قال لهم موسى: ويلكم! لا تفتروا على الله كذباً فيسحتكم بعذاب ، وقد خاب من افترى} .
والكلمة الصادقة تلمس بعض القلوب وتنفذ فيها. ويبدو أن هذا الذي كان ؛ فقد تأثر بعض السحرة بالكلمة المخلصة ، فتلجلج في الأمر ؛ وأخذ المصرون على المباراة يجادلونهم همساً خيفة أن يسمعهم موسى:
{فتنازعوا أمرهم بينهم وأسروا النجوى} ..
وجعل بعضهم يحمس بعضاً ، وراحوا يهيجون في المترددين الخوف من موسى وهارون ، اللذين يريدان الاستيلاء على مصر وتغيير عقائد أهلها ؛ مما يوجب مواجهتهما يداً واحدة بلا تردد ولا نزاع.