ومن قرأ: بِمُلكنا بضم الميم فمعناه بقدرتنا وسلطاننا، يعني لم نقدر على ردهم، وأنكر أبو عبيد هذه القراءة، فقال: (المُلْك إنما هو من السلطان والعزة، وأي مُلْك كان لبني إسرائيل يومئذ، وإنما كانوا بمصر مستضعفين) . كما قال الله تعالى: {وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ} [الأعراف: 137] وقال: {وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ} [القصص: 5] . فليس الأمر كما ذهب إليه؛ لأنه ليس معنى الملك هاهنا: السلطان الشديد والكبرياء، وإنما معناه: القدرة فقط. وأصل الملك راجع إلى معنى واحد ذكرناه عند قوله: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} [الفاتحة: 4] .
على أن أبا الحسن الأخفش حكى: (أن الملك مصدر في المالك) . وحكى الفراء: (مَالِي مُلْك أي: شيء أَمْلِكُه) . وعلى هذا معنى الوجوه كلها واحد.
ثم ذكروا قصة إتخاذ العجل فقالوا: {وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ} أي: أثقالاً وأحمالًا. قال قتادة: (كانت حليا تعوروها من آل فرعون فساروا وهي معهم) .
وقال مجاهد: (أوزارًا من زينة الحلي الذي استعاروه من آل فرعون وهي الأثقال) . وهذا قول ابن عباس، والسدي، وابن زيد. والأكثرين: أن (الأوزار) هي الأحمال، و {زِينَةِ الْقَوْمِ} حلي آل فرعون استعارة بنو إسرائيل قبل خروجهم من مصر فبقي في أيديهم، وكان موسى قد أمرهم بذلك.
وقال الزجاج: (يعنون بالأوزار: حليا كانوا أخذوها من آل فرعون، حين قذفهم البحر فألقاهم على الساحل، فأخذوا الذهب والفضة وسميت أوزارًا. قال: وسميت أوزارًا؛ لأن معناها الآثام) . ونحو هذا ذكر الفراء. وعلى هذا المراد بزينة القوم: ما كان معهم حين أغرقوا من مصوغات الذهب والفضة للمناطق وزينة الدواب، وغير ذلك فسميت أوزارًا، بأن معناها أثام لم يحل لهم أخذها. وعلى هذا القول يجوز أن يكون المراد بالأوزار الأحمال؛ لأن الوزر في اللغة: الحمل.