خَلَا أَنَّ الْعِتَاقَ مِنَ الْمَطَايَا ... أَحَسْنَ بِهِ فَهُنَّ إِلَيْهِ شُوسُ
وَقَوْلُهُ: {لَنُحَرِّقَنَّهُ}
اخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ، فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ {لَنُحَرِّقَنَّهُ} بِضَمِّ النُّونِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ، بِمَعْنَى لَنُحَرِّقَنَّهُ بِالنَّارِ قِطْعَةً قِطْعَةً.
وَرُوِي عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ ذَلِكَ: «لَنُحْرِقَنَّهُ» بِضَمِّ النُّونِ، وَتَخْفِيفِ الرَّاءِ، بِمَعْنَى: لَنُحَرِّقَنَّهُ بِالنَّارِ إِحْرَاقَةً وَاحِدَةً، وَقَرَأَهُ أَبُو جَعْفَرٍ الْقَارِئُ: (لَنَحْرُقَنَّهُ) بِفَتْحِ النُّونِ وَضَمِّ الرَّاءِ بِمَعْنَى: لَنَبْرُدَنَّهُ بِالْمَبَارِدِ مِنْ حَرَقْتُهُ أَحْرُقُهُ وَأَحْرِقُهُ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
[البحر الوافر]
بِذِي فِرْقَيْنِ يَوْمَ بَنُو حُبَيْبٍ ... نُيُوبُهُمُ عَلَيْنَا يَحْرُقُونَا
وَالصَّوَابُ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا مِنَ الْقِرَاءَةِ {لَنُحَرِّقَنَّهُ} بِضَمِّ النُّونِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ، مِنَ الْإِحْرَاقِ بِالنَّارِ.
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، {لَنُحَرِّقَنَّهُ} فَحَرَقَهُ ثُمَّ ذَرَاهُ فِي الْيَمِّ.
وَإِنَّمَا اخْتَرْتُ هَذِهِ الْقِرَاءَةَ لِإِجْمَاعِ الْحُجَّةِ مِنَ الْقُرَّاءِ عَلَيْهَا.
وَأَمَّا أَبُو جَعْفَرٍ، فَإِنِّي أَحْسِبُهُ ذَهَبَ إِلَى مَا [روي] عَنِ السُّدِّيِّ: {لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا} ثُمَّ أَخَذَهُ فَذَبَحَهُ، ثُمَّ حَرَّقَهُ بِالْمِبْرَدِ، ثُمَّ ذَرَاهُ فِي الْيَمِّ، فَلَمْ يَبْقَ بَحْرٌ يَوْمَئِذٍ إِلَّا وَقَعَ فِيهِ شَيْءٌ مِنْهُ.
وَقَوْلُهُ: {ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا}
يَقُولُ: ثُمَّ لَنُذْرِيَنَّهُ فِي الْبَحْرِ تَذْرِيَةً، يُقَالُ مِنْهُ: نَسَفَ فُلَانٌ الطَّعَامَ بِالْمِنْسَفِ: إِذَا زَرَاهُ فَطَيَّرَ عَنْهُ قُشُورَهُ وَتُرَابَهُ أَوِ الرِّيحُ. انتهى انتهى. {تفسير الطبري. 16/}