واعتذر عن تعجّله بأنه عجّل إلى استجابة أمر الله مبالغة في إرضائه ، فقوله تعالى: {فَإنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ} فيه ضرب من المَلام على التعجل بأنّه تسبب عليه حدوث فتنة في قومه ليعلمه أن لا يتجاوز ما وُقت له ولو كان لرغبة في ازدياد من الخير.
والأثَر بفتحتين: ما يتركه الماشي على الأرض من علامات قدَم أو حافر أو خفّ.
ويقال: إثْر بكسر الهمزة وسكون الثاء وهما لغتان فصيحتان كما ذكر ثعلب.
فمعنى قولهم: جاء على إثره ، جاء موالياً له بقرب مجيئه ، شبه الجائي الموالي بالذي يمشي على علامات أقدام مَن مشى قبله قبل أن يتغيّر ذلك الأثرُ بأقدام أخرى ، ووجه الشبه هو موالاته وأنه لم يسبقه غيره.
والمعنى: هم أولاء سائرون على مواقع أقدامي ، أي موالون لي في الوصول.
ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم"وأنا الحاشر الذي يُحشر الناس على قدَمِي"
، تقديره: يحشرون سائرين على آثار قدمي.
وقرأ الجمهور {على أَثرِي} بفتحتين.
وقرأه رويس عن يعقوب بكسر الهمزة وسكون الثاء.
واستعمل تركيب {هُمْ أُوَلاءِ} مجرّداً عن حرف التنبيه في أول اسم الإشارة خلافاً لقوله في سورة النساء (109) : {ها أنتم هؤلاء جادلتم} ، وتجريد اسم الإشارة من هاء التنبيه استعمال جائز وأقل منه استعماله بحرف التنبيه مع الضمير دون اسم الإشارة ، نحو قول عبد بني الحسحاس:
هَا أنا دُون الحبيببِ يا وَجع...
وتقدّم عند قوله تعالى: {ها أنتم أولاء تحبونهم} في سورة آل عمران (119) .
وإسناد الفتن إلى الله باعتبار أنه مُقدّره وخالقُ أسبابه البعيدة.
وأمّا إسناده الحقيقي فهو الذي في قوله {وأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ} لأنه السبب المباشر لضلالهم المسبب لفتنتهم.
و {السَّامِرِيُّ} يظهر أن ياءه ياء نسبة ، وأن تعريفه باللاّم للعهد.