ونحو لا شربت أو إن شربا... واتفقوا إن مصدر قد جلبا
والتحقيق في هذه المسألة: أنها لا تختص بالفعل المتعدي دون اللازم ، خلافاً لمن زعم ذلك ، وأنه لا فرق بين التأكيد بالمصدر وعدمه. لإجماع النحاة على أن ذكر المصدر بعد الفعل تأكيد للفعل ، والتأكيد لا ينشأ به حكم ، بل هو مطلق تقوية لشيء ثابت قبل ذلك كما هو معروف. وخلاف العلماء في عموم الفعل المذكور هل هو بدلالة المطابقة أو الالتزام معروف. وإذا علمت ذلك فاعلم أن قوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {وَلاَ يُفْلِحُ الساحر} الآية يعم نفي جميع أنواع الفلاح عن الساحر ، وأكد ذلك بالتعميم في الأمكنة بقوله: {حَيْثُ أتى} وذلك دليل على كفره. لأن الفلاح لا ينفى بالكلية نفياً عاماً إلا عمن لا خير فيه وهو الكافر. ويدل على ما ذكرنا أمران:
الأول هو ما جاء من الآيات الدالة على أن الساحر كافر. كقوله تعالى: {وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ ولكن الشياطين كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ الناس السحر} [البقرة: 102] الآية. فقوله {وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ} يدل على أنه لو كان ساحراً وحاشاه من ذلك لكان كافراً. وقوله {ولكن الشياطين كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ الناس السحر} صريح في كفر معلم السحر ، وقوله تعالى عن هاروت وماروت مقرراً له: {وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حتى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ} [البقرة: 102] ، وقوله: {وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُواْ لَمَنِ اشتراه مَا لَهُ فِي الآخرة مِنْ خَلاَقٍ} [البقرة: 102] أي من نصيب ، ونفي النصيب في الآخرة بالكلية لا يكون إلا للكافر عياذاً بالله تعالى. وهذه الآيات أدلة واضحة على أن من السحر ما هو كفر بواح ، وذلك مما لا شك فيه.