إن موسى عليه السلام ذاهب لمواجهة أقوى ملك في الأرض وأطغى جبار. إنه ذاهب لخوض معركة الإيمان مع الطغيان. إنه ذاهب إلى خضم من الأحداث والمشكلات مع فرعون أول الأمر ؛ ثم مع قومه بني إسرائيل وقد أذلهم الاستعباد الطويل وأفسد فطرتهم ، وأضعف استعدادهم للمهمة التي هم منتدبون لها بعد الخلاص. فربه يطلعه على أنه لن يذهب غفلاً من التهيؤ والاستعداد. وأنه لم يرسل إلا بعد التهيئة والإعداد. وأنه صنع على عين الله منذ زمان ، ودرب على المشاق وهو طفل رضيع. ورافقته العناية وسهرت عليه وهو صغير ضعيف. وكان تحت سلطان فرعون وفي متناوله وهو مجرد من كل عدة ومن كل قوة فلم تمتد إليه يد فرعون ، لأن يد القدرة كانت تسنده ، وعين القدرة كانت ترعاه.
في كل خطاه. فلا عليه اليوم من فرعون ، وقد بلغ أشده. وربه معه. قد اصطنعه لنفسه ، واستخلصه واصطفاه.
{ولقد مننا عليك مرة أخرى} .. فالمنة قديمة ممتدة مطردة ، سائرة في طريقها معك منذ زمان. فلا انقطاع لها إذن بعد التكليف الآن.
لقد مننا عليك إذ أوحينا إلى أمك ما يوحى ، وألهمناها ما يلهم في مثل حالها.. ذلك الإلهام:
{أن اقذفيه في التابوت فاقذفيه في اليم فليلقه اليم بالساحل} ..
حركات كلها عنف وكلها خشونة.. قذف في التابوت بالطفل. وقذف في اليم بالتابوت. وإلقاء للتابوت على الساحل.. ثم ماذا؟ أين يذهب التابوت المقذوف فيه بالطفل المقذوف في اليم الملقى به على الساحل. من يتسلمه؟ {عدو لي وعدو له} .
وفي زحمة هذه المخاوف كلها. وبعد تلك الصدمات كلها. ماذا؟ ما الذي حدث للطفل الضعيف المجرد من كل قوة؟ ما الذي جرى للتابوت الصغير المجرد من كل وقاية؟
{وألقيت عليك محبة مني ولتصنع على عيني} !!!