يا للقدرة القادرة التي تجعل من المحبة الهينة اللينة درعاً تتكسر عليها الضربات وتتحطم عليه الأمواج. وتعجز قوى الشر والطغيان كلها أن تمس حاملها بسوء ؛ ولو كان طفلاً رضيعاً لا يصول ولا يجول بل لا يملك أن يقول..
إنها مقابلة عجيبة في تصوير المشهد. مقابلة بين القوى الجبارة الطاغية التي تتربص بالطفل الصغير ، والخشونة القاسية فيما يحيط به من ملابسات وظروف.. والرحمة اللينة اللطيفة تحرسه من المخاوف ، وتقيه من الشدائد وتلفه من الخشونة ، ممثلة في المحبة لا في صيال أو نزال: {ولتصنع على عيني} .. وما من شرح يمكن ان يضيف شيئاً إلى ذلك الظل الرفيق اللطيف العميق الذي يلقيه التعبير القرآني العجيب: {ولتصنع على عيني} وكيف يصف لسان بشري ، خلقاً يصنع على عين الله؟ إن قصارى أي بشري أن يتأمله ويتملاه.. إنها منزلة وإنها كرامة أن ينال إنسان لحظة من العناية. فكيف بمن يصنع صنعاً على عين الله؟ إنه بسبب من هذا أطاق موسى أن يتلقى ذلك العنصر العلوي الذي تلقاه.
ولتصنع على عيني. تحت عين فرعون عدوك وعدوي وفي متناول يده بلا حارس ولا مانع ولا مدافع. ولكن عينه لا تمتد إليك بالشر لأني القيت عليك محبة مني. ويده لا تنالك بالضر وأنت تصنع على عيني.
ولم أحطك في قصر فرعون ، بالرعاية والحماية وأدع أمك في بيتها للقلق والخوف. بل جمعتك بها وجمعتها بك:
{إذ تمشي أختك فتقول: هل أدلكم على من يكفله؟ فرجعناك إلى أمك كي تقر عينها ولا تحزن} ..
وكان ذلك من تدبير الله. إذ جعل الطفل لا يقبل ثدي المرضعات. وفرعون وزوجه وقد تبنيا الطفل الذي ألقاه اليم بالساحل مما لا يفصله السياق كما يفصله في موضع آخر يبحثان له عن موضع.