ولكن هل هذا هو كل شيء؟ كلاً، فما زلنا في أول فصول المسرحية الهزْلية، وإن كنت لا أنوي أن أحكي كل فصولها بل سأجترئ ببعضها، وبمكنة القارئ أن يقيس ما لم أحْكِه على ما حكيتُه. وها نحن أولاء الآن مع أولاء يعقوب، الذين مزقتهم الأحقاد بسبب المعاملة المتحيزة التي كان أبوهم يميز بها بعضهم على بعض. ومعروفة قصة يوسف وتآمر إخوته عليه مما حكاه العهد العتيق والقرآن الكريم جميعاً، وهو تآمر بشع يدل على المدى الوحشي الرهيب الذي بلغه الإنشقاق بين أولاد يعقوب. ثم لا يستحي ملفّق سفر"التكوين"فيرمى إسماعيل عليه السلام بالوحشية والنفور رغم كرمه ونبل طبعن وأخلاقه! إلا أن فضائح بيت بعقوب طبقاَ لرواية العهد العتيق لم تنته بعد، فقد وقعت دينة بنت يعقوب في غرام شكيم بن حَموُر الوثني الأقلف ومارست معه الفاحشة، كما زنى أخوها يهوذا بثامار أرملة ابنه عير وهو يحسب أنها بغيَ، إذ كانت أخذت زينتها وهَيأت نفسها له وترصدته حتى أوقعت به وهي متنقبة. ومن بجاحته إنه، عندما أنها قد اشتغلت بغياً، أمر بإخراجها
لتُحْرَق جزاء ممارستها للبغاء، لكنْ ما إِنْ عرَّفته أنما مارست معه الزنا لا مع غيره حتى خَرِسَ وأكفأ على الخبر ماجورا، وعفا الله عما سلف!
ولا يقلّ رءوبين أخوه عنه في الفحش والفجور إن لم يَفُقْه، فقد اعتدى على عِرْض أبيه فضاجع سُرَّيَته. ولعلك، أيها القارئ العزيز، تظن أن الأب قد ثار على هذا الفجور وأدَّب الزِانَييْن بما يستحقان، لكن أرجوك ألا تكون حسن النية إلى هذا الحدّ لأن كتابهم المقدس يقول شيئاً آخر، فها هو ذا يعقوب يدعو أولاده في آخر عمره ليكلمهم في بعض الأمور المهمة، فيكون أول كلامه أن خاطب رءوبين قائلاً:"رءوبين، أنت بِكْرِى، قوّتى، وأول قدرتى. فاضلٌ في الشرف، فاضلٌ في العزّ. فُزْتَ كالماء. لا تَفْضُل لأنك عَلَوْتَ مضجع أبيك. حينئذ دنَّستْهَ. على فراشي صِعَد". وواضحّ رنّة الفجر برءوبين في كلام أبيه، إذ يصفه بأنه"فاضلٌ في الشرف، فاضلٌ في العزّ"وبأنه"أول قدرتى". أما الجملتان الأخيرتان اللتان يلمح فيهما إلى زنا ابنه بُسًرًيته فهما كالنغمة الناشزة بين سائر أنغام اللحن الأخرى المتناسقة. وعلى أية حال فهما كل ما هنالك من رد فعل على هذه الفاحشة النكراء! حقاً إنها عائلة شريفة!