والحاصل أن فعل إبراهيم عليه السلام يدل على أنه ليس منكراً في نفسه وقوله تعالى: {مَا كَانَ لِلنَّبِيّ والذين ءامَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ} [التوبة: 113] الخ يدل على أنه الآن منكر سمعاً وأنه كان مستنكراً في زمن إبراهيم عليه السلام أيضاً بعدما كان غير منكر ولذا تبرأ منه وهو ظاهر إلا أن الزمخشري جعل مدرك الجواز قبل النهي العقل وهي مسألة خلافية وكم قائل أنه السمع لدخوله تحت بر الوالدين والشفقة على أمة الدعوة بل قيل: إن الأول مذهب المعتزلة وهذا مذهب أهل السنة انتهى مع تغيير يسير.
واعترض القول بأنه استنكر في زمن إبراهيم عليه السلام بعدما كان غير منكر بأنه لو كان كذلك لم يفعله نبينا صلى الله عليه وسلم وقد جاء أنه عليه الصلاة والسلام فعله لعمه أبي طالب.
وأجيب بجواز أنه لم يبلغه إذ فعل عليه الصلاة والسلام ، والتحقيق في هذه المسألة أن الاستغفار للكافر الحي المجهول العاقبة بمعنى طلب هدايته للإيمان مما لا محذور فيه عقلاً ونقلاً وطلب ذلك للكافر المعلوم أنه قد طبع على قلبه وأخبر الله تعالى أنه لا يؤمن وعلم أن لا تعليق في أمره أصلاً مما لا مساغ له عقلاً ونقلاً ، ومثله طلب المغفرة للكافر مع بقائه على الكفر على ما ذكره بعض المحققين ، وكان ذلك على ما قيل لما فيه من إلغاء أمر الكفر الذي لا شيء يعدله من المعاصي وصيرورة التكليف بالإيمان الذي لا شيء يعدله من الطاعات عبثاً مع ما في ذلك مما لا يليق بعظمة الله عز وجل ، ويكاد يلحق بذلك فيما ذكر طلب المغفرة لسائر العصاة مع البقاء على المعصية إلا أن يفرق بين الكفر وسائر المعاصي ، وأما طلب المغفرة للكافر بعد موته على الكفر فلا تأباه قضية العقل وإنما يمنعه السمع وفرق بينه وبين طلبها للكافر مع بقائه على الكفر بعدم جريان التعليل السابق فيه ويحتاج ذلك إلى تأمل.