علم إبراهيم أن في طبع أهل الجهالة تحقيرهم للصغير كيفما بلغ حاله في الحذق وبخاصة الآباء مع أبنائهم ، فتوجه إلى أبيه بخطابه بوصف الأبوة إيماء إلى أنه مخلص له النصيحة ، وألقى إليه حجّة فساد عبادته في صورة الاستفهام عن سبب عبادته وعمله المخطئ ، منبّهاً على خطئه عندما يتأمل في عمله ، فإنه إن سمع ذلك وحاول بيان سبب عبادة أصنامه لم يجد لنفسه مقالاً ففطِن بخطل رأيه وسفاهة حلمه ، فإنه لو عبد حيّاً مميزاً لكانت له شبهة ما.
وابتدأ بالحجة الراجعة إلى الحِسّ إذ قال له: لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر فذلك حجة محسوسة ، ثم أتبعها بقوله: ولا يغني عنك شيئاً ، ثم انتقل إلى دفع ما يخالج عقل أبيه من النفور عن تلقي الإرشاد من ابنه بقوله: {يا أبت إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك فاتبعني أهدك صراطاً سوياً} [مريم: 43] ، فلما قضى حق ذلك انتقل إلى تنبيهه على أن ما هو فيه أثر من وساوس الشيطان ، ثم ألقى إليه حجة لائقة بالمتصلبين في الضلال بقوله: {يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمان فتكون للشيطان وليا} [مريم: 45] ، أي إن الله أبلغ إليك الوعيد على لساني ، فإن كنتَ لا تجزم بذلك فافرض وقوعه فإنّ أصنامك لم تتوعدك على أن تفارق عبادتها.
وهذا كما في الشعر المنسوب إلى علي رضي الله عنه:
زعم المنجّم والطّبيب كلاهمالا تحشر الأجسام قلت: إليكماإن صحّ قولكما فلست بخاسرأو صح قولي فالخسار عليكماقال: وفي النداء بقوله: {يا أبت} أربع مرات تكريرٌ اقتضاه مقام استنزاله إلى قبول الموعظة لأنها مقام إطناب.
ونَظَّرَ ذلك بتكرير لقمان قوله: {يا بني} [لقمان: 13 16] ثلاث مرات ، قال: بخلاف قول نوح لابنه: {يا بني اركب معنا} [هود: 42] مرة واحدة دون تكرير لأنّ ضيق المقام يقتضي الإيجاز وهذا من طرق الإعجاز"."
انتهى كلامه بما يقارب لفظه.