للقلب ففي الأعضاء الأخر أولى. وأما القرينة الأخرى فتركت الحقيقة فبها الاستعارة التي هي أبلغ فحصل اشتعل شيب رأسي. وبيان الاستعارة فيه أنه شبه الشيب بشواظ النار في بياضه وإنارته ، وشبه انتشاره في الشعر وفشوّه فيه وأخذه منه كل مأخذ باشتعال النار ، ثم أخرجه مخرج الاستعارة بالكتابة بأن حذف المشبه به وأداة التشبيه فصار اشتعل شيب الرأسي ، ويمكن تقرير الاستعارة بوجه آخر وهو أن يكون استعمل {اشتعل} بدل"انتشر"فتكون الاستعارة تبعية تصريحية وقرينتها ذكر الشيب ، ثم تركت هذه المرتبة إلى أبلغ منها وهي"اشتعل رأسي شيباً".
وكونها أبلغ من وجهات منها: إسناد الاشتعال إلى الرأس لإفادته شمول الاشتعال الرأس كما لو قلت:"اشتعل بيتي ناراً"مكان"اشتعل النار في بيتي". ومنها الإجمال والتفصيل الواقعان في طريق التمييز ، ومنها تنكير {شيباً} للتعظيم كما هو حق التمييز. ثم عدل إلى مرتبة أخرى هي"اشتعل الرأس مني شيباً"لتوخي مزيد التقرير بالإبهام ثم البيان على نحو {وهن العظم مني} ثم ترك لفظ"مني"ذكره في القرينة الأولى ففي ذلك إحالة تأدية المعنى على العقل دون اللفظ. وكم بين الحوالتين مع أن بناء الكلام على الاختصار حيث قال"رب"بحذف حرف النداء وياء المتكلم يناسب الاختصار في آخره. وإنما أطنب في هذا المقام لأن هذه الآية كالعلم فيما بين علماء المعاني.