قوله: (يدل عَلَى الشق والفتح) أي بحسب اللغة يقال فلح الْأَرْض أي شقه ومنه
سمي الزراع فلاحًا والزراعة الفلاحة ثم صار في الحرف بمعنى ظفر إلَى البغية فأفلح بمعنى
الثلاثي لأن أفعل قد يجيء بمعنى الثلاثي كأخلق الثوب وخلق إذا بلي ومع ذلك لا يخلو
أفعل من المُبَالَغَة ولعل لذلك. قال الْمُصَنّف فيما مَرَّ كأنه انفتحت له وجوه الظفر وهذا أولى
مما قيل إن همزة أفلح من المفلح للصيرورة وفلق بمعنى شق ومنه سمي الصبح فلقا قال
الْمُصَنّف في تفسير قَوْلُه تَعَالَى: (فالق الإصباح) شاق عمود الصبح عن
ظلمة الليل [وفلق] كضرب بمعنى قطع وفي القطع الشق والفتح وفلى بمعنى فرق يقال فلى
شعره إذا فرقه لطلب القمل وغيره، ولا ريب في أن التفريق يتضمن الشق والفتح.
قوله: (وتعريف المفلحون) أي اللام وإن كان من موصولًا إما للعهد أو للجنس فعلى
الأول فضمير الفصل لإفادة القصر ولتأكيد النسبة وإلى الأول أشار بقوله(للدلالة عَلَى أن
المتقين)كأنه أشار به إلَى وجه كون المفلحين معرفًا باللام فإن ضمير الفصل يفيد
اخْتصَاص المسند بالمسند إليه ولو كان المسند نكرة أو معرفة فلا حاجة إلَى تعريف المسند
لهذا الغرض فما وجهه فبين وجهه بأن تعريف المسند هنا لَيسَ للحصر بل للدلالة عَلَى أن
المتقين (هم النَّاس الَّذينَ بلغك أنهُمُ الْمُفْلحُونَ في الْآخرَة) وجه كون المفلحين خبرًا
والمتقين مبتدأ بناء عَلَى ضابطة بينها المحقق التفتازاني في شرح التلخيص حيث قال
والضابط في هذا التقديم أنه إذا كان للشيء صفتان من صفات التعريف عرف السامع
اتصافه ب [إحْدَاهُمَا] دون الأخرى حتى يجوز أن يكونا وصفين لشيئين متعددين في الخارج
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * *
قوله: وتعريف المفلحون الخ. فسر معنى المفلحون بحسب دلالة التعريف الآتي عَلَى وَجْهَيْن
الوجه الأول مبني عَلَى التعريف فيه للعهد الخارجي والثاني عَلَى أنه للحَقيقَة من حيث هي
والجنس من حيث هُوَ أو للعهد الذهني والإشَارَة إلَى الْحَقيقَة لا من حيث هي بل من حيث
وجودها في ضمن خصوصيات الأشخاص فأَشَارَ إلَى الأول بقوله من حَقيقَة المفلحين وإلى الثاني
بقوله وخصوصياتهم وفي الكَشَّاف ومعنى التعريف في المفلحون الدلالة عَلَى أن المتقين هم النَّاس
الَّذينَ بلغك أنهم يفلحون في الْآخرَة كما إذا بلغك أن إنسانًا قد تاب من أهل بلدك واستخبرت من
هو فقيل زيد التائب أي هُوَ الذي أخبرت بتوبته أو عَلَى أنهم الَّذينَ إن حصلت صفة المفلحين
وتحقق ما هم وتصوروا بصورتهم الحقيقية فهم هم لا يعدون تلك الْحَقيقَة كما تقول لصاحبك هل
عرفت الأسد وما جبل عليه من فرط الإقدام إن زيدا هُوَ هُوَ تم كلامه فإذا حمل التعريف عَلَى
العهد يكون القصر فيه من قصر المسند عَلَى المسند إليه قصر إفراد بالفلاح لا يتعدى منهم إلَى
غيرهم وهم يجوز أن يتصفوا بصفة أخرى غير الفلاح وإذا حمل عَلَى الْحَقيقَة والجنس يكون من
قصر المسند إليه عَلَى المسند فلا يعدون من صفة الفلاح إلَى صفة أخرى وصفة الفلاح يجوز أن
يتصف بها غيرهم والقصر عَلَى هذا ادعائي زيد الشجاع وهو الرجل فإن في هذه الصورة يدعي أن
زيدًا هُوَ ذلك الجنس فكان من عدا زيذا ليس شجاعًا ولا رجلا ويسمى هذا النوع من الحصر حصر
كمال فكأن من عداه لانحطاطه عن حد الشجاعة والرجولية لَيسَ بشجاع ولا رجل ولا ينافي هذا
اتصاف غيره بصفة الشجاعة والرجولية بحسب أصل الْمَعْنَى.