والقرآن الكريم كثيرًا ما يشفع الوعد بالوعيد، والبشارة بالنذارة لما لذلك من أثر في تقويم النفوس وسياستها بالترهيب والترغيب، ومقام الوعد ومثله مقام الوعيد من المقامات التي تحتاج إلى توثيق القول وتأكيده؛ ليتقرر في النفوس ويتمكن منها فضل تمكن، فيزداد أنسها به وثقتها فيه، كما قال تعالى: {إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ} (الانفطار: 13، 14) وقال أيضًا: {نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ} (الحجر: 49، 50) ومثل هذا كثير في القرآن الكريم.
وتأمل قول الله تعالى: {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ}
تجد أن المنافقين لكونهم قد أظهروا الإيمان؛ خوفًا ومداراةً للمؤمنين وليس عن يقين راسخ وثابت. وقد عبروا عنه بالجملة الفعلية: {آمَنَّا} ، ولما كان الكفر ثابتًا وراسخًا في عقولهم قد خاطبوا شياطينهم بالجملة الاسمية المؤكدة: {إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ} .
{أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (16) }
فهنا استعير الشراء للاختيار والاستبدال، ثم ذُكر الربح والتجارة وهما من ملاءمات المستعار منه، وذلك مما يقوي الاستعارة ويحقق المبالغة في التصفير والتخييل، ودعوى دخول المستعار له في جنس المستعار منه، وكأن الكلام على الحقيقة، ولذلك سميت بالاستعارة المرشحة؛ إذ الترشيح معناه في اللغة التقوية، ومنها قول المتنبي:
رميتهم ببحر من حديد ... له في البر خلفهم عباب
فهنا استعير البحر والمستعار منه أو المشبه به للجيش القوي، الذي هو المشبه، والقرينة قوله"من حديد"، ثم ذكر ما يلائم المستعار منه وهو العباب والبر، فخُيِّل للسامع أن المراد هو البحر حقيقة، بمعنى: أنه شبه الجيش القوي بالبحر، ثم حذف المشبه به على سبيل التصريحية، وذكر ما يلائم المشبه به أي: المستعار منه، وذلك بقوله العباب والبر، ومن ذلك قول الشاعر:
إذا ما الدهر جر على أناس ... كلاكله أناخ بآخرين