وهنا استعار الجمل للدهر استعارة مكنية، وتم استيفاء قرينتها بإضافة لازم المستعار منه الذي هو الجر والكلاكل إلى المستعار له، وهو الدهر، ثم ذكر جملة أناخ بآخرين، وهي من ملائمات المستعار منه.
وعليه قول بشار:
أتتني الشمس زائرة ... ولم تك تبرح الفلك
حيث استعيرت الشمس للمحبوبة، ثم أمعن في تناسي التشبيه، وادَّعى أنها غادرت مكانها في السماء، وأقبلت إليه زائرة، ولم تكن قبل ذلك تبرح الفلك، فبنى الكلام على أنها شمس حقيقية، ولهذا صحَّ التعجب في قول المتنبي:
كبرت حول ديارهم لما بدت ... منها الشموس وليس فيها المشرق
يقصد بذلك فتاته، وقول آخر:
لما رآني مقبلًا هز نفسه ... إلي حسام كلُّ صفح له حد
ولم أر قبلي من مشى البدر نحوه ... ولا رجل قامت تعانقه الأسد
فقد استعار الشموس والبدر والأسد لممدوحه، ثم بنى كلامه على تناسي التشبيه، وأمعن في التناسي، فجعل الممدوح بدرًا وشموسًا، وأسدًا على الحقيقة، ولهذا ساغ التعجب، وساغ التعجب أيضًا في قول ابن العميد:
قامت تظللني ومن عجب ... شمس تظللني من الشمس
والنهي عنه في قول ابن طباطبا:
لا تعجبوا من بلى غلالته ... قد زرّ أزراره على القمر
فلولا بناء الكلام على المبالغة والإمعان في تناسي التشبيه، وادعاء أنها شمس وقمر على الحقيقة؛ لما ساغ التعجب في الأول، ولا ساغ النهي في الثاني.
{أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ ... (19) }
فالمشبه به في الآية محذوف تقديره: أو كمثل ذوي صيب؛ لأن الأصل أن يكون التشابه بين المعطوفات فيه تماثل، فهنا عطف، أو عطف {كَصَيِّبٍ} على قوله {يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آَذَانِهِمْ} ، فإن وليها غير المشبه به كان مقدرًا بعدها كما في قوله تعالى: {أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ} (البقرة: 19) ، فنجد أن المشبه به في الآية محذوف تقديره: أو كمثل ذوي صيب بدليل قوله في الآية {يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ} (البقرة: 19) .