وجملة {قَالَ يَا إِبْلِيسَ مالك أَلا تَكُونَ مَعَ الساجدين} مستأنفة أيضاً جواب سؤال مقدّر ، كأنه قيل: فماذا قال الله سبحانه لإبليس بعد أن أبى السجود؟ وهذا الخطاب له ليس للتشريف والتكريم ، بل للتقريع والتوبيخ ، والمعنى: أي غرض لك في الامتناع؟ وأيّ سبب حملك عليه على أن لا تكون مع الساجدين لآدم مع الملائكة وهم في الشرف وعلوّ المنزلة والقرب من الله بالمنزلة التي قد علمتها.
وجملة {قَالَ لَمْ أَكُن لاِسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صلصال مّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ} مستأنفة كالتي قبلها ، جعل العلة لترك سجوده كون آدم بشراً مخلوقاً من صلصال من حمأ مسنون زعماً منه أنه مخلوق من عنصر أشرف من عنصر آدم ، وفيه إشارة إجمالية في كونه خيراً منه.
وقد صرح بذلك في موضع آخر ، فقال: {أَنَاْ خَيْرٌ مّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ} [الأعراف: 76] .
وقال في موضع آخر: {أأسجد لمن خلقت طينا} [الإسراء: 61] .
واللام في {لأسجد} لتأكيد النفي ، أي: لا يصح ذلك مني ، فأجاب الله سبحانه عليه بقوله: {قَالَ فاخرج مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ} والضمير في {منها} ، قيل: عائد إلى الجنة ، وقيل: إلى السماء.
وقيل: إلى زمرة الملائكة أي: فأخرج من زمرة الملائكة {فإنك رجيم} أي: مرجوم بالشهب.
وقيل: معنى رجيم: ملعون ، أي: مطرود ؛ لأن من يطرد يرجم بالحجارة.
{وَإِنَّ عَلَيْكَ اللعنة إلى يَوْمِ الدين} أي: عليك الطرد والإبعاد من رحمة الله سبحانه مستمراً عليك لازماً لك إلى يوم الجزاء ، وهو يوم القيامة.
وجعل يوم الدين غاية للعنة لا يستلزم انقطاعها في ذلك الوقت ، لأن المراد دوامها من غير انقطاع ، وذكر يوم الدين ، للمبالغة كما في قوله تعالى: {مَا دَامَتِ السماوات والأرض} [هود: 107] .