وقد تقدّم في النساء {فَقَعُواْ لَهُ ساجدين} الفاء تدلّ على أن سجودهم واجب عليهم عقب التسوية والنفح من غير تراخٍ ، وهو أمر بالوقوع ، من وقع يقع.
وفيه دليل على أن المأمور به هو السجود ، لا مجرّد الانحناء كما قيل ، وهذا السجود: هو سجود تحية وتكريم لا سجود عبادة ، ولله أن يكرم من يشاء من مخلوقاته كيف يشاء بما يشاء ؛ وقيل: كان السجود لله تعالى وكان آدم قبلة لهم.
{فَسَجَدَ الملائكة كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ} أخبر سبحانه بأن الملائكة سجدوا جميعاً عند أمر الله سبحانه لهم بذلك من غير تراخٍ ، قال المبرد: قوله {كلهم} أزال احتمال أن بعض الملائكة لم يسجد ، وقوله {أجمعون} توكيد بعد توكيد ، ورجح هذا الزجاج.
قال النيسابوري: وذلك لأن أجمع معرفة فلا يقع حالاً ، ولو صح أن يكون حالاً لكان منتصباً ، ثم استثنى إبليس من الملائكة فقال: {إِلاَّ إِبْلِيسَ أبى أَن يَكُونَ مَعَ الساجدين} قيل: هذا الاستثناء متصل لكونه كان من جنس الملائكة ولكنه أبى ذلك استكباراً واستعظاماً لنفسه وحسداً لآدم ، فحقت عليه كلمة الله.
وقيل: إنه لم يكن من الملائكة ، ولكنه كان معهم ، فغلب اسم الملائكة عليه وأمر بما أمروا به ، فكان الاستثناء بهذا الاعتبار متصلاً.
وقيل: إن الاستثناء منفصل بناءً على عدم كونه منهم ، وعدم تغليبهم عليه ، أي: ولكن إبليس أبى أن يكون مع الساجدين وقد تقدّم الكلام في هذا في سورة البقرة ، وجملة {أبى أَن يَكُونَ مَعَ الساجدين} استئناف مبين لكيفية ما فيهم من الاستثناء من عدم السجود ؛ لأن عدم السجود قد يكون مع التردّد ، فبين سبحانه أنه كان على وجه الإباء.