وما عصى مَن عصى إلاَّ بتقديم الرَّأي والْهَوى على الأمر والتشريع العادل الحكيم، ولا ظَلَم مَن ظلَم، ولا بغَى مَن بغى إلاَّ مِن اتِّباع خطوات الشيطان، فعَمِي عن الحقائق والسُّنن والنِّعم والقُوَى التي هي فيه وفيمن وقع ظُلمه عليه، وما وقع ظلمٌ على أحد إلاَّ لِعَماه كذلك عن السُّنن والحِكَم والنِّعَم التي هي فيه كما هي في غيره، مِمَّا كان المظلوم نفسه من أقوى أسباب تسلُّطه بالظُّلم والبغي عليه باتِّباعه لخطوات الشيطان في العمى والجهل، والتكذيب بآيات الله ورحمته وحكمته، وعدْلِه المُطْلق في خَلْقه وعطائه وفضله في المادِّيات والمعنويَّات، وما يزالون يتَّبِعون خطوات الشيطان حتَّى تكون عاقبتهم أن يستصرخوا به، وقد كُبكبوا في الجحيم والعذاب الأليم، فيقول لهم:"مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ" [إبراهيم: 22] "إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ" [الحشر: 16] .
خاب وخسر كلَّ الخيبة والخسران مَن عمي عن رحْمة الله وإحسانه، فكذَّب بآياته واتَّبَع خطوات الشَّيطان.
وسَعِد وهُدِيَ ورشد مَن تبصَّر برحمة ربِّه وفضله وعدله وآياته، فاتَّخذ سبيله في كلِّ شؤونه على بيِّنة من ربِّه، وهُدِيَ إلى صراط الله المستقيم، اللهم اجعلنا من أولئك المستبصرين المهتدين.
"قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ" [الحجر: 34] ؛ أيْ: مرجوم، وأصل الرَّجم: القذف بالرِّجام، وهي الحجارة، يُقال: رجم فهو مرجوم، فالرَّجيم: هو الذي يستحقُّ أن يُرْمَى ويُرجَم بالحجارة، وإنَّما يُرمى الرجيمُ بالحجارة؛ لأنَّه - لِخُبثه وقذَرِه - يُجْتنَب ويُتباعد عنه؛ حتَّى يُعاقَب بما لا يتَّصل بالمعاقِب، كالعصا، وإنما يقذف بالحجارة عن بعد.
والشيطان كذلك، ينبغي لكلِّ مؤمن عاقل التَّباعد عنه وتجنُّبه بكلِّ حذر ويقظة؛ لأنَّ الله لعَنَه وطرده، وأبعده عن رحمته؛ لِخُبثه وكفره وبَغْيِه.