والضَّمير في"مِنْهَا"يعود إلى الحالة من الرِّضوان التي استحقَّها الملائكة بطاعتهم لأمر ربِّهم، والحالة التي أكرم الله بها آدم، والحالة التي حاول إبليسُ بِحَسَدِه وجهله أن يبلغها من العلوِّ والفضل على الإنسان؛ ولذلك عقَّبَها الله تعالى بِوَصفه إيَّاه"فإنَّك رجيم"؛ أيْ: إنَّك لِخُبثِك بغيض مَهِين، حقَّ عليك الخزي واللَّعنة أبدًا:"وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ" [الحجر: 35] ؛ أيْ: تُلازمك المهانة والقذارة والصَّغار والمَقْت من الله ومِن كُلِّ خلقه إلى آخِر الدَّهر، وإلى يوم الحساب والجزاء العادل الحكيم؛ جزاءَ مُحاولتك - بِجَهلك وتعاميك - العلوَّ بالبَغْي والحسد والفساد، وكذلك كل من اتَّبَع خطوات الشيطان، وأراد أن يَسْمو ويعلو في الدُّنيا، أو في الآخرة، بغير ما سنَّ الله وشرع من أسباب وسنن جعلها الله بعدله وحكمته ورحمته للسموِّ والعلو والكرامة في الدُّنيا والآخرة، فجزاؤه وعاقبته جزاءُ إبليس وعاقبته؛ الخزْيُ والخيبة، والخسران واللعنة في الدُّنيا ويوم الدِّين، ونسأل الله - سبحانه وتعالى - أن يُجَنِّبنا خطوات الشيطان، وأن يَقِيَنا شرور أنفسنا وسيِّئات أعمالنا، وأن يَجعلنا من المتقين.
وصلَّى الله وسلَّم وبارك على عبد الله ورسولِه محمَّد، خاتم المرسلين، وعلى آله أجمعين. انتهى انتهى {تفسير القرآن الحكيم، للشيخ/ محمد حامد الفقي} ...