قال أبو إسحاق: وموضع (مَنْ) نصبٌ من جهتين؛ أحديهما: العطف على {مَعَايِشَ} : وجعلنا لكم من لستم له برازقين، وجائز أن يكون عطفًا على تأويل (لكم) ؛ لأن معنى قوله: {وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ} : أعشناكم، المعنى: أعشناكم ومن لستم له برازقين، أي رزقناكم ومن لستم له برازقين. (وعلى هذا الوجه يجوز أن يدخل الطير والوحش في قوله: {وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ} لأن الله تعالى أعاشهم كما أعاشنا، وهو قول الكلبي في قوله: {وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ} قال: يعني الوحش والطير، ونحوه قال منصور، ولا يجوز أن يفرد الوحش والطير والدواب عن الإماء والعبيد في هذه الآية؛ لأن(من) لا يكاد يكون لغير ما يعقل، فإذا جمع مع من يعقل، غلب من يعقل بفضيلة العقل، فجاز إيقاع (من) عليهم، وهذا هو الاختيار عند جميع النحويين.
ووجه قول الكلبي، حيث أفرد الوحش والطير والدواب والأنعام: أن (من) لمّا وصفت بالمعاش الذي الغالب عليه أن يُوصفَ الناس به، فيقال: الآدمي يتعيش، ولا يقال: الفرس يتعيش، جرت الهَوَامُ والوَحشُ - لمَّا وُصفت بوصف الناس - مجرى الناس في التسمية، ألا ترى أن علامة جمعها جعلت كعلامة جمع الناس في قوله: {ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ} [النمل: 18] و {وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} [يس: 40] ، و {رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ} [يوسف: 4] وكان وقوع (من) على غير الناس في هذا الموضع كتصيير الواو والياء لجمع غير الناس حين وصفه بأوصاف الناس. هذا كلام أبي بكر، ومعنى قول أبي إسحاق، وذكر الفراء أن (من) يجوز أن تكون في محل خفض على تقدير: وجعلنا لكم فيها معايش ولمن، ثم قال: وقلما تَردُّ العربُ حرفًا مخفوضًا على مخفوض قد كُنِّيَ عنه، وهو جائز على قراءة من قرأ: {تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ} [النساء: 1] ، خفضًا، وقد ذكرنا ذلك.