ثم هو سبحانه يعلم المستقدمين من الأُمَم السَّابقة، وما كانوا عليه من الغفلة والجهالة والتقليد الغبي، الذي أوقعَهم في الكفر بآيات ربِّهم ونِعَمِه وفضله، وفي التكذيب لمن بعثهم الله إليهم هُدَاة ناصحين أُمَناء، لا يسألونهم أجْرًا، ولا يطلبون منهم جزاء ولا شُكورًا، يَعْلم ربُّنا سبحانه أمراضهم الفتَّاكة التي فتكت بعقولِهم وقلوبِهم، وقضَتْ على إنسانيتهم التي أكرمهم بها ربُّهم بالموت، فكانوا أضلَّ من الأنعام سبيلاً، ويعلم أهواء الشُّيوخ والسَّادة والرُّؤساء وشهواتِهم، ويَعْلم خدعهم وسيِّئَ مَكْرِهم، ويعلم الطُّرُق الشَّيطانية والْحِيَل الإبليسيَّة الَّتي أوقعوا بها العامَّة والدَّهْماء في حبائل دجَلِهم وبَغْيِهم، ويعلم أنَّ شأن المستأخرين في كل ذلك هو شأن المستقدمين سواء، فإنَّ الإنسان هو الإنسان بِكُلِّ طبائعه وجبلاَّته، والأرض هي الأرض، والسَّماء هي السماء، والليل والنهار، والشمس والقمر، والزرع والنبات، والسُّنن الكونيَّة في المستقدمين هِي هِيَ السُّنن في المستأخرين.
ولذلك كانت رسالة المرسَلين واحدة، من أوَّلِهم نوحٍ، إلى خاتَمِهم وإمامهم محمَّد - عليهم الصَّلاة والسَّلام - تقوم جَميعها على أساس واحد، هو أنْ لا تعبدوا إلاَّ الله، ولا تعبدوا إلاَّ الله بما شرع، ولا تشرعوا من الدِّين ما لم يأذن به، ولا تقولوا في الله ولا على الله ما لا تعملون،"وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ" [النحل: 116] ،"تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ" [آل عمران: 64] .