قال: والوجه الآخر: أن يكون وصْفُها باللقح، وإن كانت تلقح، كما قيل:"ليلٌ نائم"، والنَّوم فيه، و"سِرٌّ كاتم"، وكما قيل: المَبْروز، والمختوم، فجُعل مبروزًا، ولم يَقُل: مُبَرزًا، بناه على غير فعله؛ أيْ: إنَّ ذلك من صفاته، فجاز مفعول لِمُفعل، كما جازَ فاعلٌ لِمفعول إذا لم يَردِ البناء على الفعل، كما قيل: ماء دافق، والصَّواب من القول في ذلك عندي: أنَّ الرياح لواقح، كما وصفها به الله - جلَّ ثناؤه - من صفتها، وإن كانت قد تلقح هي السحاب والأشجار، فهي لاقحة ملقحة، ولقَّحها: حَمَّلَها الماء، وإلقاحها السَّحاب والشجر: عمَلُها فيه - ثم رَوى ابن جرير بسنده عن ابن مسعود قال: يُرسِل الله الرِّياح، فتحمل الماء، فتُجْرِي السَّحاب، فتدرُّ كما تدرُّ اللقحة، ثم تُمْطر.
ثم قال ابن جرير: وأمَّا جَماعةٌ أُخَر - من أهل التَّأويل - فإنَّهم وَجَّهوا وصْفَ الله - تعالى ذِكْرُه - إيَّاها بأنَّها لواقح: إلى أنه بمعنى مُلقحة، وأنَّ اللَّواقح وُضِعَت موضع: ملاقح، كما قال نَهْشَل بن حَريٍّ:
لِيُبْكَ يَزِيدُ بَائِسٌ لِضَرَاعَةٍ ... وَأَشْعَثُ مِمَّنْ طَوَّحَتْهُ الطَّوَائِحُ
يريد الْمطاوح، وكما قال النابغة:
كِلِينِي لِهَمٍّ يَا أُمَيْمَةُ نَاصِبِ ... وَلَيْلٍ أُقَاسِيهِ بَطِيءِ الكَوَاكِبِ
بمعني: مُنْصِب.
ثم رَوى بِسَنَدِه عن إبراهيم النَّخَعيِّ وعن الأعمش، قالا: تُلْقِح السَّحاب، وعن الحسن: لَواقِح للشَّجر، وعن عبيد بن عمير: يَبْعث الله الْمُبَشِّرة، فتقمُّ الأرض قمًّا؛ أيْ: تكنسها وتنقيها الشَّجر، وعن قتادة: لواقح للسَّحاب، وأنَّ مِن الرِّيح رَحْمة، وأنَّ منها عذابًا، وعن ابن عباس: تلقح الشجر، وتمري السحاب.