وقد يكون المعنى أشدَّ خصوصية من ذلك ؛ فنحن حين نُصلّي نقف صفوفاً ، ويقف الرجال أولاً ؛ ثم الأطفال ؛ ثم النساء ؛ ومن الرجال مَنْ يتقدّم الصفوف كَيْلا تقع عيونه على امرأة ؛ ومنهم مَنْ قد يتحايل ويقف في الصفوف الأخيرة ليرى النساء ؛ فأوضح الحق سبحانه أن مثل هذه الأمور لا تفوت عليه ، فهو العالم بالأسرار وأخفى منها .
أو: أن يكون المعنى هو المُستقدمين إلى الجهاد في سبيل الله أو المتأخرين عن الجهاد في سبيله . ومَنْ يموت حَتْف أنفه أي: على فراشه لا دَخْلَ له بهذه المسألة .
أما إنْ دعا داعي الجهاد ، ويُقدِّم نفسه للحرب ويُقاتل وينال الشهادة ، فالحق سبحانه وتعالى يعلم مَنْ تقدّم إلى لقائه محبةً وجهاداً لِرفعة شأن الدين .
وقد يكون في ظاهر الأمر وفي عيون غيره مِمَّنْ يكرهون الحياة ؛ ولكنه في حقيقة الأمر مُحِبّ للحياة بأكثر مِمَّنْ يدّعون حُبّها ؛ لأنه امتلك اليقين الإيماني بأن خالقَ الدنيا يستحق أن ينالَ الجهاد في سبيل القِيم التي أرادها منهاجاً ينعدل به ميزان الكون ؛ وإن استشهد فقد وعده سبحانه الخُلْد في الجنة ونعيمها .
"ونجد أبا بكر الصديق رضي الله عنه وهو يقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ادْعُ لي يا رسول الله أن أستشهد ؛ فيردّ عليه النبي الكريم:"متعنا بنفسك يا أبا بكر"."
وعلى ذلك لا يكون المستأخر هنا محلَّ لَوْم ؛ لأن الإيمان يحتاج لِمَنْ يصونه ويُثبّته ؛ كما يحتاج إلى مَنْ يؤكد أن الإيمان بالله أعزُّ من الحياة نفسها ؛ وهو المُتقدّم للقتال ، وينال الشهادةَ في سبيل الله .
ويقول سبحانه من بعد ذلك: {وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ ...}
أي: أن المُتولّي تربيتك يا محمد لن يترك مَنْ خاصموك وعاندوك ، وأهانوك وآذوْكَ دون عقاب .
وكلمة: {يَحْشُرُهُمْ} [الحجر: 25]