وهو سبحانه القائل: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ ...} [القصص: 88]
إذن: فكُلّ شيء يُطلَق عليه"شيء"مصيره إلى هلاك ؛ ومعنى ذلك أنه كان حياً ؛ ودليلنا على أنه كان حياً هو قول الحق: {لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ ويحيى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ ...} [الأنفال: 42]
وهكذا نعلم أن كل ما له مهمة في الحياة له حياة تناسبه ؛ وفَوْر أن تنتهي المهمة فهو يهلك ويموت ، والحق سبحانه وتعالى يرث كل شيء بعد أن يهلك كل مَنْ له حياة ، وهو سبحانه القائل: {إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الأرض وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ} [مريم: 40]
وهو بذلك يرث التارك والمتروك ؛ وهو الخالق لكل شيء . ويختلف ميراث الحق سبحانه عن ميراث الخَلْق ؛ بأن المخلوق حين يرث آخر ؛ فهو يُودِعه التراب أولاً ، ثم يرث ما ترك ؛ أما الحق سبحانه فهو يرث الاثنين معاً ، المخلوق وما ترك .
ولذلك نحن نرى مَنْ يعز عليهم ميت ؛ قد يُمسِكون بالخشبة التي تحمل الجثة ، ويرفضون من فَرْط المحبة أن تخرج من منزله ؛ ولو تركناه لهم لمدة أسبوع ورمّت الجثة ؛ سيتوسّلون لِمَنْ يحمل الجثث أن يحملَه لِيُوارِيه التراب ، ثم يبدأون في مناقشة ما يرثونه من الفقيد .
وهم بذلك يَرِثون المتروك بعد أن أودعوا التارك للتراب ، وإذا كان التارك من الذين أحسنوا الإيمان والعمل فيدخل حياة جديدة هي أرغد بالتأكيد من حياته الدنيا ؛ ولَسوفَ يأكل ويشرب دون أن يتعبَ ، وكل ما تمر على ذهنه رغبة فهي تتحقّق له ، فهو في ضيافة المُنعِم الأعلى .
ويقول سبحانه من بعد ذلك: {وَلَقَدْ عَلِمْنَا المستقدمين ...}