أَي فأَنزلنا من السحاب الكثيف الذي أَقلته الرياح - أَنزلنا - منه مطرًا، فأَعددناه وهيأَناه لسقياكم وزروعكم ومواشيكم، حيث حفظناه في بحيرات وأَجريناه في أَنهار وجداول واختزنا بعضه في جوف الأَرض، لكي تنتفعوا به وقت الحاجة بحفر الآبار وتفجير العيون.
(وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ) :
أَي أَن هذا المطر الذي ننزله من السحاب لم تختزنوه أَنتم، ولا علم لكم به من قبل أَن يأْتيكم، أَو لستم له بحافظين فوق سطح الأَرض أَو في جوفها، لتنتفعوا وقت حاجتكم بل الله تعالى هو الذي سخر لكم أَسبابه، وحفظه لكم في مجاريه وخزائنه، وهو قادر على إِمساكه منكم، والذهاب به إِذا أَتاكم، كما قال تعالى:"وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ".
وبعد أَن بين أَنه تعالى مصدر أَرزاقهم، عقبه ببيان أَنه هو الذي يحييهم ويميتهم ويرثهم فقال:
23 - (وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ) :
أَي وإِنا لنحن الذين ننشئكم من العدم، ونجعلكم أَحياءَ ترزقون، ونحن الذين نميتكم وننزع الروح من أَجسادكم، ونحن الوارثون لكم ولأَموالكم ولكل شيءِ في هذا الوجود وكل ما أَعطيناه للخلق فهو عارية مستردة، والملك لله الواحد القهار.
24 - (وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ) :
أَي ولقد علمنا من سبقوكم من بني جنسكم، فإِنا نحن الذين أحييناهم وأَمتناهم، وعلمنا أَيضًا المتأَخرين ممن هم أَحياءُ أَو سيوجدون بعدكم، فإِن الخالق الرازق الوارث لا يغيب عن علمه شيءُ، وكيف يغيب أَحد من خلقه عن علمه وهو الذي سيحشرهم ليجازيهم كما ينطق به قوله سُبحانه:
25 - (وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ) :
أَي وإِن ربك أَيها الرسول هو وحده الذي يحشرهم ويجمعهم للحساب والجزاء على حسب أَعمالهم، لأَنه تعالى حكيم يضع الشيءَ في موضعه، فلا يسوى محسنًا بمسيء، واسع العلم فلا يغيب عنه عمل عامل. انتهى انتهى {التفسير الوسيط، لمجموعة من علماء الأزهر} ..