ويكون النص على هذا إثبات أن القرآن الذي تلاه عليهم هو من عند الله؛ لأنه ليس بظالم، فضلا عن أن يكون أظلم الناس، إذ هو الصادق الأمين الذي عرفتموه، وهو تنديد بالمشركين؛ فهم أظلم الناس، لأنهم افتروا على الله تعالى إذ أشركوا به غيره، وأي افتراء أكبر من ذلك، ثم هم قد سفهوا النبي - صلى الله عليه وسلم - وافتروا عليه الكذب. وقد بين سبحانه شعبة أخرى من ظلم المشركين الذي لَا يماثله ظلم، وهو تكذيب القرآن الكريم وإنكار نسبته إلى الله تعالى، وكذبوا الدلائل الواضحات في الخلق والتكوين فأشركوا بالله؛ لأن هذه الآيات الكونية تدل على أن الله واحد أحد ليس له ولد ولم يكن له كفوا أحد.
(إِنَّهُ لَا يُفْلِح الْمُجْرِمُونَ) الضمير هو ضمير الشأن، أي أن الحال والشأن أنه لا يفلح أي لَا يفوز ولا ينجح، وقد أكد نفي فلاحهم: أولا: بالجملة الاسمية، ثانيا: بـ (إنَّ) الدالة على التأكيد، ثالثا - أنه وصفهم بالإجرام وهو الشرك وكسب الفساد.
ولقد بين الله تعالى جرمهم الأكبر وهو الشرك فقال سبحانه:
(وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ(18)
"الواو"واصلة ما بعدها بما قبلها، والضمير في (يَعْبُدُونَ) يعود إلى المشركين، والذين لَا يرجون لقاء اللَّه، وينكرون البعث والنشور، ويحسبون أنهم خلقوا عبثا وأنهم إلى اللَّه لَا يرجعون، جعلهم ذلك الإنكار يسيرون في متاهات من الضلال تكاثف بعضها فوق بعض، فينقلبون في دركات الضلال دركة بعد دركة حتى ينتهوا إلى الشرك وهو الضلال.
(وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنفَعُهُمْ) ، (مِن) بيانية، أي أن معبودهم غير اللَّه تعالى الخالق لكل شيء مالك كل شيء الذي يدعونه مستغيثين في الشدائد ولا يلجأون إلى غيره فيما يُروِّعهم في السماء والأرض، وأنهم يستبدلون بعبادته حجرًا لَا يضر ولا ينفع، لَا يضرهم فيخافوا أذاه، ولا ينفعهم فيعبدوه رجاء خيره ونفعه.