ثم خاطب سبحانه الذين بعث إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: {ثُمَّ جعلناكم خلائف} أي: استخلفناكم في الأرض بعد تلك القرون التي تسمعون أخبارها وتنظرون آثارها ، والخلائف جمع خليفة ، وقد تقدّم الكلام عليه في آخر سورة الأنعام ، واللام في {لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ} لام كي: أي: لكي ننظر كيف تعملون من أعمال الخير أو الشرّ ، و {كَيْفَ} في محل نصب بالفعل الذي بعده: أي لننظر أيّ عمل تعملونه ، أو في محل نصب على الحالية ، أي على أيّ حالة تعملون الأعمال اللائقة بالاستخلاف.
ثم حكى الله سبحانه نوعاً ثالثاً من تعنتهم وتلاعبهم بآيات الله ، فقال: {وَإِذَا تتلى عَلَيْهِمْ ءاياتنا بَيّنَاتٍ} وفيه التفات من الخطاب إلى الغيبة إعراضاً عنهم ، والمراد بالآيات: الآيات التي في الكتاب العزيز: أي وإذا تلا التالي عليهم آياتنا الدالة على إثبات التوحيد ، وإبطال الشرك ، حال كونها بينات: أي واضحات الدلالة على المطلوب {قَالَ الذين لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا} وهم المنكرون للمعاد ، وقد تقدّم تفسيره قريباً: أي قالوا لمن يتلوها عليهم ، وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم {ائت بِقُرْءانٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدّلْهُ} طلبوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم لما سمعوا ما غاظهم فيما تلاه عليهم من القرآن من ذمّ عبادة الأوثان ، والوعيد الشديد لمن عبدها أحد أمرين: إما الإتيان بقرآن غير هذا القرآن مع بقاء هذا القرآن على حاله ، وإما تبديل هذا القرآن بنسخ بعض آياته ، أو كلها ، ووضع أخرى مكانها مما يطابق إرادتهم ويلائم غرضهم ، فأمره الله أن يقول في جوابهم: {مَا يَكُونُ لِى} أي: ما ينبغي لي ، ولا يحلّ لي ، أن أبدّله من تلقاء نفسي ؛ فنفى عن نفسه أحد القسمين ، وهو التبديل ؛ لأنه الذي يمكنه لو كان ذلك جائزاً ، بخلاف القسم الآخر وهو الإتيان بقرآن آخر ، فإن ذلك ليس في وسعه ولا يقدر عليه.