ومن هذا الباب قوله تعالى: {وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ} .
فإنه إنما قدم الأرض في الذكر على السماء ومن حقها التأخير؛ لأنه لما ذكر شهادته على شئون أهل الأرض وأحوالهم، ووصل ذلك بقوله: {وَمَا يَعْزُبُ} لاءم بينهما، ليلي المعنى المعنى.
فإن قيل: قد جاء تقديم الأرض على السماء في الذكر في مواضع كثيرة من القرآن!!
قلنا: إذا جاءت مقدمة في الذكر، فلا بد لتقديمها من سبب اقتضاه، وإن خفي ذلك السبب، وقد يستنبطه بعض العلماء دون بعض!
{هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا ... (67) }
فلما قدم الليل في الذكر على النهار قدم سبب الليل، وهو السكون على سبب النهار، وهو التعيش.
{فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ... (71) }
ومن هذا الضرب: إيقاع الفعل على شيئين، وهو لأحدهما، كقوله تعالى: {فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ} .
وهو 3 لأمركم وحده، وإنما المراد أجمعوا أمركم وادعوا شركاءكم؛ لأن معنى"أجمعوا"من"أجمع الأمر"، إذا نواه، وعزم عليه.
وقد قرأ أبي - رضي الله عنه:"فأجمعوا أمركم وادعوا شركاءكم"، وهذا دليل على ما أشرت إليه، وكذلك هو مثبت في مصحف عبد الله بن مسعود رضي الله عنه. انتهى انتهى {المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر، لابن الأثير} ...