وقيل: إنه صلى الله عليه وسلم نفى عن نفسه أسهل القسمين ليكون دليلاً على نفي أصعبهما بالطريق الأولى ، وهذا منه من باب مجاراة السفهاء ، إذ لا يصدر مثل هذا الاقتراح عن العقلاء بعد أن أمره الله سبحانه بذلك.
وهو أعلم بمصالح عباده وبما يدفع الكفار عن هذه الطلبات الساقطة والسؤالات الباردة ، و {تِلْقَاء} مصدر استعمل ظرفاً ، من قبل {من تلقاء نفسي} .
قال الزجاج: سألوه إسقاط ما فيه من ذكر البعث والنشور.
وقيل: سألوه أن يسقط ما فيه من عيب آلهتهم وتسفيه أحلامهم ؛ وقيل: سألوه أن يحوّل الوعد وعيداً والحرام حلالاً والحلال حراماً ، ثم أمره أن يؤكد ما أجاب به عليهم من أنه ما صح له ، ولا استقام أن يبدّله من تلقاء نفسه بقوله: {إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحِى إِلَيَّ} أي: ما أتبع شيئاً من الأشياء إلا ما يوحى إليّ من عند الله سبحانه من غير تبديل ولا تحويل ، ولا تحريف ولا تصحيف ، فقصر حاله صلى الله عليه وسلم على اتباع ما يوحى إليه ، وربما كان مقصد الكفار بهذا السؤال التعريض للنبي صلى الله عليه وسلم بأن القرآن كلامه ، وأنه يقدر على الإتيان بغيره والتبديل له ، ثم أمره الله سبحانه أن يقول لهم تكميلاً للجواب عليهم: {إِنّى أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبّى عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} فإن هذه الجملة كالتعليل لما قدّمه من الجواب قبلها ، واليوم العظيم هو يوم القيامة: أي {إِنّى أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبّى} بفعل ما تطلبون على تقدير إمكانه عذاب يوم القيامة.